الثلاثاء، 31 مارس 2009


طلب العلم
مسألة: يؤكد الإسلام على طلب العلم، ولو كان في أقصى الأرض، بل ولو كان في الثريا، وعلى جميع الناس فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم»[1].
وقال (صلى الله عليه وآله) في حديث آخر: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»[2].
وقال (صلى الله عليه وآله) «طلب العلم فريضة على كل مسلم ألا إن الله يحب بغاة العلم»[3].
وعن أبي إسحاق السبيعي عمن حدثه قال سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «أيها الناس اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إن المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم وضمنه وسيفي لكم والعلم مخزون عند أهله وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه»[4].
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الشاخص في طلب العلم كالمجاهد في سبيل الله إن طلب العلم فريضة على كل مسلم وكم من مؤمن يخرج من منزله في طلب العلم فلا يرجع إلا مغفورا» [5].
وعن طلحة بن زيد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلا بعداً»[6].
حرية الثقافة
مسألة: الإسلام يؤمن بحرية الثقافة ومقدماتها المشروعة، فلكل شخص أو جهة أو ما أشبه أن تؤسس الإذاعات والتلفزيونات، وأن تصدّر الصحف والمجلات، وأن تنشر الكتب والموسوعات، والكراريس والمقالات، وأن تؤسس المعاهد والجامعات والمدارس والروضات، كل ذلك في سبيل نشر الوعي والثقافة في المجتمع.
وقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «إن الناس كلهم أحرار»[7].
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نص»[8].
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن الناس مسلطون على أموالهم»[9].
وقال (صلى الله عليه وآله): «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة»[10].
المدارس والمراكز الثقافية
مسألة: يلزم تأسيس المدارس والمعاهد العلمية والجامعات التخصصية في مختلف العلوم التي يحتاجها البشر، من سياسة واقتصاد، وفلك وطب، وزراعة وصناعة، وهندسة وما أشبه ذلك. وفي ذلك إحياء لأمر الإسلام وقوانين القرآن وسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام).
عن العقرقوفي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لأصحابه وأنا حاضر: «اتقوا الله وكونوا إخوة بررة متحابين في الله متواصلين متواضعين متراحمين تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا وأحيوا أمرنا»[11].
وعن محمد بن عيسى عن يونس رفعه قال: قال لقمان لابنه: «يا بني اختر المجالس على عينك فإن رأيت قوماً يذكرون الله جل وعز فاجلس معهم، فإن تكن عالماً نفعك علمك، وإن تكن جاهلا علموك، ولعل الله أن يظلهم برحمته فيعمك معهم، وإذا رأيت قوماً لا يذكرون الله فلا تجلس معهم فإن تكن عالماً لم ينفعك علمك، وإن كنت جاهلا يزيدوك جهلا، ولعل الله أن يظلهم بعقوبة فيعمك معهم»[12].
وروي أن علي بن الحسين (صلوات الله عليه) كان إذا جاءه طالب علم قال: «مرحبا بوصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم يقول: إن طالب العلم إذا خرج من منزله لم يضع رجله على رطب ولا يابس من الأرض إلا سبحت له إلى الأرضين السابعة»[13].
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خير القلوب أوعاها للخير، وشر القلوب أوعاها للشر، فأعلى القلب الذي يعي الخير مملو من الخير، إن نطق نطق مأجوراً، وإن أنصت أنصت مأجورا»[14].
آداب عالمية للتربية والتعليم
مسألة: يلزم على المعلم في أي مكان كان، وفي أيّ علم يريد التدريس، أن يكون في مستوى التعليم فلا ينصب نفسه للتدريس حتى يكون أهلاً لذلك، وأن يكون عاملاً بعلمه، ويلزم على المعلم تأديب طلبته على الالتزام بالآداب السنية، وأول ذلك حثهم على الإخلاص لله تعالى، ومراقبته عزوجل في جميع اللحظات، والزهد في الدنيا، والرغبة في العلم.
عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في قول الله عز وجل: ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)) [15] من صدق فعله قوله، ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم»[16].
وقال عيسى ابن مريم (عليه السلام): «يا معشر الحواريين لي إليكم حاجة اقضوها لي، قالوا: قضيت حاجتك يا روح الله، فقام فغسل أقدامهم، فقالوا: كنا نحن أحق بهذا يا روح الله، فقال: إن أحق الناس بالخدمة العالم، إنما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم، ثم قال عيسى (عليه السلام): بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر وكذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل»[17].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قرأت في كتاب علي (عليه السلام) إن الله لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال لأن العلم كان قبل الجهل»[18].
مصالح الدين والدنيا
مسألة: يلزم على المعلم أن يزجر الطلاب عن مساوئ الأخلاق، وارتكاب المحرمات والمكروهات، ومجالسة الأدنين والفسقة، ويحثهم على طلب الآخرة، وبالجملة يعلّمهم مصالح دينهم ودنياهم.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «طلبة العلم ثلاثة فاعرفوهم بأعيانهم وصفاتهم، صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه للاستطالة والختل، وصنف يطلبه للفقه والعقل، فصاحب الجهل والمراء مؤذ ممار متعرض للمقال في أندية الرجال، بتذاكر العلم وصفة الحلم، قد تسربل بالخشوع وتخلى من الورع، فدق الله خيشومه وقطع منه حيزومه، وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق، يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للأغنياء ممن هو دونه، فهو لحلاوتهم هاضم، ولدينه حاطم، فأعمى الله على هذا بصره، وقطع من آثار العلماء أثره، وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر، قد انحنى في برنسه وقام الليل في حندسه، يعمل ويخشى وجلا داعيا مشفقا، مقبلا على شأنه، عارفا بأهل زمانه، مستوحشا من أوثق إخوانه، فشد الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه»[19].
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن أراد به خير الآخرة أعطاه الله خير الدنيا والآخرة»[20].
لا تجب من غير علم
مسألة: لا يجوز لمن لا يعلم شيئاً أن يجيب من غير علم، فإذا سئل عن شيء لا يعلمه فليقل: لا أعلم أو نحوه، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا سئلتم عمّا لاتعلمون فاهربوا» قالوا: وكيف الهرب، قال: «تقولون الله أعلم»[21].
عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا الله أعلم، إن الرجل لينتزع بالآية من القرآن يخر فيها أبعد ما بين السماء والأرض»[22].
وعن زرارة بن أعين قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ما حق الله على العباد؟ قال: «أن يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند ما لا يعلمون»[23].
وعن الصادق (عليه السلام): «إن الله خص عباده بآيتين من كتابه أن لا يقولوا حتى يعلموا ولا يردوا ما لم يعلموا، وقال الله عزوجل: ((أ لم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق)) [24] وقال: ((بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله)) [25]»[26].
حسن النية
مسألة: يلزم على المتعلم أينما كان وفي أيّ مجال يريد التعلّم أن يكون حسن النية ويسعى في تطهير قلبه، وأن يغتنم التحصيل في الشباب والفراغ وسلامة الحواس،وأن يكون عالي الهمة، فلا يرض باليسير ولا يسوف، ويبدأ في التحصيل بالأهم فالأهم.
قال النبي (صلى الله عليه وآله): «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»[27].
وجاء في الخبر: «مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنقش على الحجر، ومثل الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب على الماء»[28].
وعن ابن عباس: «ما أوتي عالم علما إلا وهو شاب»[29].

هناك الكثير من المسائل الشرعية المرتبطة بالعولمة الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو ما أشبه، وما يرتبط بها من قريب أو بعيد، نشير إلى بعضها.
العولمة لابد منها
مسألة: سبق القول بأن العولمة أمر لابد منه، وخاصة في مثل هذا العصر عصر الارتباطات والاتصالات، فيلزم على العلماء والمفكرين، وذوي الكفاءات والثقافات العالية، السعي الحثيث والمثابرة الجادة، لتحقيق عولمة صحيحة وشاملة، تجمع بين النمو والازدهار، والعدل والأخلاق، ولا يكون ذلك إلا في العولمة التي جاء بها القرآن الحكيم، وندب إليها الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وآله الأطهار (عليهم السلام)، فإن القرآن الكريم هو الكتاب الكامل الشامل والغض الطري، الصالح لكل زمان ومكان.
قال تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً)) [1].
وقال سبحانه: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)) [2].
وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «لا ينبغي لحامل القرآن أن يظن أن أحداً أعطي أفضل مما أعطي، لأنه لو ملك الدنيا بأسرها لكان القرآن أفضل مما ملكه» [3].
ونقل السيد علي بن طاووس في الطرف، عن كتاب الوصية لأبي الضرير عيسى بن المستفاد من أصحاب الكاظم (عليه السلام) عنه عن أبيه (عليه السلام) في حديث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال للأنصار أيام وفاته فيما أوصى به إليهم: «كتاب الله وأهل بيتي فإن الكتاب هو القرآن وفيه الحجة والنور والبرهان كلام الله غض جديد طري شاهد وحكم عادل قائد بحلاله وحرامه وأحكامه بصير به قاض به مضموم فيه يقوم غداً فيحاج به أقواماً فتزل أقدامهم عن الصراط» [4].
وعن الإمام الرضا عن أبيه (عليهما السلام): «أن رجلا سأل أبا عبد الله (عليه السلام): ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة؟ فقال: لأن الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولناس دون ناس فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة»[5].
عولمة السلم والسلام
مسألة: ينبغي العلم بأن عولمة الإسلام هي عولمة السلم والسلام فهي تعتمد على ثقافة السلم والسلام، والأخلاق والآداب، والتعارف والتوادد، والتواصل والتعاون، والحنان والمحبة، والعدل والإحسان.
قال تعالى: ((وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [6].
وقال سبحانه: ((إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) [7].
عولمة الفطرة
مسألة: ينبغي معرفة أن الفكر والعقيدة المبتنية عليها العولمة الإسلامية هي العقيدة التي تتلاءم مع فطرة الإنسان، والمنبعثة من الفكر الصحيح القائل بوحدانية الله خالق الإنسان، وبعدله تعالى في خلقه، وببعث الرسل إليهم مع منهاج السماء أولهم آدم (عليه السلام) وخاتمهم رسول الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله)، وبتعيين أئمة يحفظون منهاج السماء أولهم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وآخرهم المهدي (عجل الله تعالى فرجه) الذي وعد الله تطبيق العولمة الإسلامية على يديه، وتعميمه على سطح الكوكب، وبالمعاد في يوم القيامة للحساب والجزاء والفوز بالجنة، أو الخسارة في جهنم والعياذ بالله. قال الله تعالى: ((فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)) [8].
وقال سبحانه: ((آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)) [9].
وقال تعالى: ((إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً)) [10].
وقال سبحانه: ((شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب)) [11].
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): «الأئمة من بعدي اثنا عشر أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وآخرهم القائم (عجل الله تعالى فرجه) طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي من أنكر واحدا منهم فقد أنكرني»[12].
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «المنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا»[13].
وعن أبي جعفر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «يا أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين الثقل الأكبر والثقل الأصغر إن تمسكتم بهما لا تضلوا ولا تبدلوا وإني سألت اللطيف الخبير أن لا يتفرقا حتى يردا علي الحوض فأعطيت ذلك، قالوا وما الثقل الأكبر وما الثقل الأصغر؟ قال: الثقل الأكبر كتاب الله، سبب طرفه بيد الله وسبب طرفه بأيديكم، والثقل الأصغر عترتي وأهل بيتي»[14].
وعن سعد الإسكاف قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول النبي (صلى الله عليه وآله): «إني تارك فيكم الثقلين فتمسكوا بهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): «لا يزال كتاب الله والدليل منا يدل عليه حتى يردا علي الحوض»[15].
نظافة العولمة
مسألة: الإسلام دين طهارة ونظافة وجمال في كل شيء ومنها العولمة، فلاتكون للعولمة الإسلامية سلبيات واستغلال للآخرين وما أشبه من الفساد والإفساد، كما هو الحال في العولمة الغربية.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ثم إن هذا الإسلام دين الله الذي اصطفاه لنفسه، واصطنعه على عينه، وأصفاه خيرة خلقه[16]، وأقام دعائمه على محبته... جعل الله فيه منتهى رضوانه، وذروة دعائمه، وسنام طاعته، فهو عند الله وثيق الأركان، رفيع البنيان، منير البرهان، مضي‏ء النيران عزيز السلطان، مشرف المنار[17]، معوذ المثار[18]، فشرفوه واتبعوه، وأدوا إليه حقه وضعوه مواضعه»[19].
وروي أن النبي إبراهيم (عليه السلام) جمع ولده وأسباطه وقال: «إن الإسلام دين الله الذي تعبدكم به فالزموه ولا تعدلوا عنه ولو نشرتم بالمناشير وقرضتم بالمقاريض وأحرقتم بالنار»[20].
وكان في وصية إبراهيم (عليه السلام): «يا بني عليكم أن تظهروا كل حسنة وجدتم من غيركم وأن تستروا كل سيئة وفاحشة وإياكم أن تشيعوها»[21].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الله عز وجل يحب الجمال والتجمل، ويبغض البؤس والتباؤس»[22].
سياسة العولمة
مسألة: ينبغي الالتفات إلى أن السياسة التي تحكمها العولمة الإسلامية هي: سياسة العدل والأخلاق، وسياسة الصدق والأمانة، وسياسة الحرية: حرية الفكر والعقيدة، وحرية القلم والبيان. وبكلمة واحدة: السياسة التي ترى الناس صنفين: أما أخ في الدين، أو نظير في الخلق[23]، والسياسة التي ترى الناس سواسية في الحقوق وفي المزايا وفي كل شيء، وتحرم كل تبعيض وتمييز، وكل كبت واضطهاد، وكل استبداد ودكتاتورية، وكل واستعمار، وكل هيمنة وسيطرة.
قال تعالى: ((بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان، الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان، والأرض وضعها للأنام)) [24].
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى»[25].
وكتب أمير المؤمنين (عليه السلام): «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها، أمره بتقوى الله وإيثار طاعته واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعزه، وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ويزعها عند الجمحات فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله، ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت، وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولاتكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك والله فوق من ولاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم»[26].
www.youtube.com

الاثنين، 30 مارس 2009


الفطرة الاجتماعية
مسألة: قد خلق الله تعالى الإنسان على فطرة اجتماعية، فهو أبداً يهوى العولمة ويسعى للتعولم، وإليه أشار قول الله تعالى في القران الحكيم: ((يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر واُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا انّ اكرمكم عند الله اتقاكم)) [1].
فكل الفصول الثلاثة من الآية المباركة طبيعية للبشر، حيث إنّ الذي يعمل أكثر وبكيفية أحسن، يكون أكرم ذاتاً، والأكرمية الذاتية تتبعها الأكرميّة العرضية، فإن كل ما بالغير ينتهي إلى ما بالذات كما يقوله الحكماء.
مضافاً إلى ذلك إنّ الإنسان يميل إلى هذه الجهة: جهة التعارف والتآلف، وينحو نحو هذا الاتجاه الفطري الموهوب، وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خير المؤمنين من كان مألفة للمؤمنين ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف»[2].
فالإنسان مهما كان بلده وموطنه هو إنسان، وله نفس المشاعر والأفكار الجسدية التي يحملها كل إنسان آخر، وإنما الاختلاف غالباً في الأفكار والآراء، وللفكر موازين و مقاييس، والميزان الصحيح والمقياس المستقيم هو الذي ذكره الله تعالى، وبيّنه العقل: من أنّ للكون إلهاً واحداً قادراً عادلاً حكيماً، إلى آخر ما ذكر في توحيد الله سبحانه وتعالى وكذلك في سائر أصول الدين من العدالة والنبوة والإمامة والمعاد في يوم القيامة، وكل شيء ينحرف عن هذا المعتقد السليم فهو انحراف عن الفطرة والعقلانية.
العولمة الصحيحة أمر لابدّ منه
مسألة: إن العولمة الصحيحة هدف إنساني لا غناء عنه إلاّ بنشره وتعميمه، ولا طريق للإنسانية أمامها إلاّ بالدخول فيها والانتماء إليها، علماً بأنّه لم يكن الدخول فيها قد بدأ في هذه الأيام، بل منذ إرسال الأنبياء أولي العزم (عليهم السلام) وأخذت تتبلور وتتكامل منذ بدء عهد الرسالة الإسلامية، ففي يوم الأحزاب عندما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسلمون معه يحفرون الخندق حول المدينة ليأمنوا جانب العدو استعصى عليهم حجر صلد، فضربه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمعوله فانقدحت منه شرارة وسطع منها نور، فقال (صلى الله عليه وآله) وهو يبشر المسلمين: إني رأيت فيه قصور الحيرة ومدائن كسرى، ثم ضربه ثانية وثالثة، فانقدحت في كل ضربة شرارة، وسطع منها نور كذلك، وفي كل مرة يقول (صلى الله عليه وآله) لأصحابه بأنه رأى فيها هدفا من الأهداف العالمية، حيث بشّر المسلمين بأنهم يصلون إلى تلك البلاد وينشرون الإسلام فيها، فإن الإسلام دين عالمي[3].
وبالفعل، فقد وصلوا إلى تلك المناطق البعيدة، ونشروا الإسلام فيها، وهم في طريقهم إلى تحقيق ما وعدهم الله من ظهور الإسلام على كل الأديان، لما في الإسلام من محاسن الأديان كلها وخلو الأديان من محاسن الإسلام.
ويؤيد ذلك تنبؤات بعض كُتّاب الغرب ومحققيهم فقد قال أحدهم في كتابه: إنه لا يمرّ علينا مائة عام إلا ونرى البريطانيين يدخلون في الإسلام.
وقال آخر منهم: إنه لا يمرٌ مائة عام إلاّ والمسلمون يأخذون بزمام أمريكا.
هذا بالإضافة إلى ما نعتقده نحن من أنه سيظهر الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) ليحقق تطبيق الإسلام على جميع أرجاء المعمورة وذلك قوله سبحانه: ((ليظهره على الدين كله)) [4] فإن الإسلام لابد له من يوم يأخذ فيه بزمام العالم كله، أخذا صحيحا تحت لواء الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ومن يدرس الإسلام ويرى حقائقه الناصعة، ويدرس في المقابل الانحرافات في غيره، لابد أن يعترف بذلك.
كما يعترف من يرى نور الشمعة ويرى نور المصباح الكهربائي بأن نور المصباح غالب، وسوف يتغلب على نور الشمعة ويحلّ محلها، لأن من الواضح أن الطاقة الكهربائية نافعة للإنسانية جميعا نفعا كبيراً، بينما ليست الطاقة المتولدة من الشمعة أو ما أشبه مثلها، وكذلك من يرى السفر على الوسائل البدائية والقديمة من البغال والحمير، ويرى السفر بالوسائل المتطورة الحديثة من القاطرات والطائرات، ولعله يأتي في المستقبل شيء يفوق هذه الوسائل الحديثة الموجودة الآن، فإنه يصح له أن يقول: إن المستقبل للوسائل الحديثة، وذهاب دور القديمة منها وزوالها.
وهكذا بالنسبة للعولمة الصحيحة.
كيف تكوّنت العولمة؟
إن الله تعالى جبل الإنسان وفطره على العولمة، وأرسل إليه نظاماً عالمياً يحمل طابع الكونية في فكره وثقافته، وفي اقتصاده وسياسته، ومن هنا تكوّنت العولمة.
إن الإسلام هو أول من جاء بأسس العولمة الصحيحة، وبلّغ لها، ودعا إليها، قال الله تعالى: ((ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)) [5] وحيث إن كلمة: «من» في الآية الكريمة من كلمات العموم، فالخطاب موجه إلى كل أهل الأرض، وجميع أهل العالم، ولا يمكن أن يكون الخطاب من الله الحكيم موجها إلى كل أهل الأرض، إلا إذا كان الإسلام الذي أنزله الله تعالى في كتابه، وبعث به رسوله الحبيب محمد (صلى الله عليه وآله) جامعاً لكل أسس العولمة الصحيحة، وشاملاً لجميع القوانين الصالحة لإدارة العالم كله على نهج عادل وقويم، موفراً لكل أهل العالم فرداً وجماعة الرغد والدعة، والأمن والاستقرار، والسعادة والعيش الهنيء، والإسلام فعلاً هو كذلك، وإلا لما دعا الله تعالى ـ وهو الحكيم المطلق ـ العالم كله إليه، وحذّر من التديّن بغيره من الأديان والمبادئ الأخرى.
ويؤيد ذلك قوله تعالى مخاطباً رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله): ((وما أرسلناك إلاّ كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون)) [6].
وقوله سبحانه: ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)) [7].
فالرسول الحبيب (صلى الله عليه وآله) رسول إلى الناس كافة، وليس لبعضهم دون بعض، ورحمة مهداة للعالمين، وليس لعالم دون آخر، كما قال (صلى الله عليه وآله): «إنما أنا رحمة مهداة»[8].
العولمة وأول من طرح فكرتها
مسألة: الإسلام هو أول من طرح فكرة العولمة الصحيحة، وأول من أقام صلبها بنظام اقتصادي سليم، وأول من جاء بمستلزماتها ومقوماتها، وأول من رصّ أسسها وأحكم قواعدها، وقد طبّق الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) العولمة الصحيحة التي جاء بها الإسلام، وحقق نظام اقتصادها السليم، وسعى لتبيينها وتحديد مسارها ومعالمها، فجعل بأمر الله تعالى الدين واحداً، والمعبود واحداً، والكتاب واحداً، والاقتصاد واحداً، والتاريخ واحداً، والقبلة واحدة، والسنّة واحدة، والشريعة واحدة، واللغة واحدة ومشتركة بين الجميع، مما يحقق الأسرة الواحدة والبيت الواحد.
إنّه شرع الأذان ـ مثلاً ـ إعلاماً للصلاة ورتّب فصوله باللغة العربية، وبحكمة فائقة، وجعله شعاراً للإسلام، إنه يدعو فيه كل يوم عدة مرات، إلى أوليات العولمة الصحيحة، وملاكاتها القويمة: إلى تمجيد الله وتوحيده، وإلى الإيمان بالرسول ورسالته، والى توحيد الإمامة والولاية في أهل بيته، وإلى الصلاة بين يدي الله الواحد الأحد، بلسان واحد، ولغة واحدة، وباتجاه قبلة واحدة، وعلى سنّة واحدة، وشريعة واحدة، وكم في هذا وحده من إيحاء للنفس على الشعور المشترك بالعمل المشترك، وتربية لها على العولمة الصحيحة وحب الآخرين؟.
إنه لو لم يكن في الإسلام ما يدعو إلى العولمة الصحيحة سوى الأذان، الذي أشرنا إلى القليل من معانيه الكثيرة، لكان الإسلام وحده هو الجدير بأخذ زمام العالم، ونشر رحمة عولمته الحكيمة والعادلة على كل الشعوب وجميع الناس.
نعم، لقد جاء الرسول الحبيب (صلى الله عليه وآله) بأسس العولمة الصحيحة، وطبّقها بحكمة عالية كانت باستطاعتها تغطية كل العالم بظلال رحمتها، وجناح عدلها، غير أن الحكام غير الشرعيين الذين علوا منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصادروا حق علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وأولاده المعصومين، مثل حكام بني اُمية، وبني مروان، وبني العباس، وبني عثمان، غيّروا وبدّلوا كل شيء جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى الأذان الذي جاء به جبرئيل إليه (صلى الله عليه وآله). فإنّهم حذفوا بعض فصوله، وزادوا عليه وبدّلوا تبديلاً، كما وإنهم بدّلوا كل ما استطاعوا تبديله، فحرموا العالم رحمة العولمة الصحيحة وعدلها.
وهكذا تقدم الزمان، ونزلت الأجيال في شرق الأرض وغربها، وهي محرومة من عولمة الإسلام، حتى تململ الغرب وتحرك من تحت سياط الاستبداد وخرج من ظلمات القرون الوسطى ليرى النور، فلم يبصر شيئاً سوى مظالم الحكام وظلمات الخلافة الجائرة، ولم يبصر ـ ومع الأسف الشديد أو لم يحاول الإبصار ـ ليرى نور الإسلام، ونور كتابه ومنهجه، ونور قوانينه وأحكامه، ونور رسوله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، ونور العولمة الصحيحة التي جاءوا بها وسعوا في تطبيقها، ولذلك حنقوا على الإسلام وعلى كل شيء من العولمة التي جاء بها، وقضوا على الخلافة العثمانية، وقسموا العالم إلى الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، ولما ذاقوا وبال هذا التقسيم عملوا على توحيد العالم، فحذفوا الكتلة الشرقية من الخارطة، وقرّروا توحيد العالم تحت عولمة غربية بقيادة الولايات المتحدة.
العولمة الصحيحة ومقوماتها
مسألة: من اللازم علينا إذا أردنا ـ نحن المسلمين ـ تحقيق العولمة الصحيحة بالمعنى الإسلامي أن نعيد الاعتبار للإنسان والإنسانية كما أمر به الإسلام، وأن نحيي الخُلق الإسلامي، ومفاهيم الحوار الحر بين كل الأطراف كما كان جارياً مع كل الأديان والمذاهب على طول التاريخ الإسلامي، وذلك: انطلاقاً من مبدأ الأخوة الإسلامية العامة والشاملة، غير المنحصرة في ضيق القوميات والعرقيات، ولا المحدودة بالحدود الجغرافية والإقليمية.
يعني: على غرار ما أسسه الرسول (صلى الله عليه وآله) في المدينة المنورة بعد الهجرة، وذلك بعد أن رصّ قواعده في مكّة المكرّمة، فقد ورد في التاريخ إن النبي (صلى الله عليه وآله) آخى بين المسلمين مرّتين، مرّةً في مكة المكرّمة ومرّة في المدينة المنوّرة، وآخى بين الرجال كما آخى بين النساء، أخوّة جامعة لكل معاني الأخوة وحقوقها.
وهناك الكثير من الروايات في باب الأخوة وحقوقها، نشير إلى بعضها.
قال أبو جعفر (عليه السلام): «من حق المؤمن على أخيه المؤمن أن يشبع جوعته، ويواري عورته، ويفرج عنه كربته، ويقضي دينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده»[9].
وعن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما حق المسلم على المسلم؟
قال: «له سبع حقوق واجبات ما منهن حق إلا وهو عليه واجب، إن ضيع منها شيئاً خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن لله فيه من نصيب».
قلت له: جعلت فداك وما هي؟
قال: «يا معلى إني عليك شفيق أخاف أن تضيع ولا تحفظ وتعلم ولا تعمل.
قلت: لا قوة إلا بالله.
قال: أيسر حق منها أن تحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك.
والحق الثاني: أن تجتنب سخطه وتتبع مرضاته وتطيع أمره.
والحق الثالث: أن تعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك.
والحق الرابع أن تكون عينه ودليله ومرآته.
والحق الخامس: أن لا تشبع ويجوع ولا تروى ويظمأ ولا تلبس ويعرى.
والحق السادس: أن يكون لك خادم وليس لأخيك خادم فواجب أن تبعث خادمك فتغسل ثيابه وتصنع طعامه وتمهد فراشه.
والحق السابع: أن تبر قسمه وتجيب دعوته وتعود مريضه وتشهد جنازته وإذا علمت أن له حاجةً تبادره إلى قضائها ولا تلجئه أن يسألكها ولكن تبادره مبادرةً فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك»[10].
وعن عبد الأعلى بن أعين قال: كتب بعض أصحابنا يسألون أبا عبد الله (عليه السلام) عن أشياء وأمروني أن أسأله عن حق المسلم على أخيه، فسألته فلم يجبني، فلما جئت لأودعه فقلت: سألتك فلم تجبني؟
فقال: «إني أخاف أن تكفروا إن من أشد ما افترض الله على خلقه ثلاثاً إنصاف المرء من نفسه حتى لا يرضى لأخيه من نفسه إلا بما يرضى لنفسه منه ومواساة الأخ في المال وذكر الله على كل حال ليس سبحان الله والحمد لله ولكن عند ما حرم الله عليه فيدعه»[11].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما عبد الله بشيء أفضل من أداء حق المؤمن»[12].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المسلم أخو المسلم وحق المسلم على أخيه المسلم أن لا يشبع ويجوع أخوه ولا يروى ويعطش أخوه ولا يكسى ويعرى أخوه فما أعظم حق المسلم على أخيه المسلم»[13].
وقال (عليه السلام): «أحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك، وإذا احتجت فسله، وإن سألك فأعطه، لا تمله خيراً، ولا يمله لك، كن له ظهراً فإنه لك ظهر، إذا غاب فاحفظه في غيبته، وإذا شهد فزره وأجله وأكرمه، فإنه منك وأنت منه، فإن كان عليك عاتباً فلا تفارقه حتى تسأل سميحته، وإن أصابه خير فاحمد الله، وإن ابتلي فاعضده، وإن تمحل له فأعنه، وإذا قال الرجل لأخيه أف انقطع ما بينهما من الولاية، وإذا قال أنت عدوي كفر أحدهما، فإذا اتهمه انماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء»[14].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «للمسلم على أخيه المسلم من الحق أن يسلم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا مرض، وينصح له إذا غاب، ويسمته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه، ويتبعه إذا مات»[15].
وعن أبي المأمون الحارثي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما حق المؤمن على المؤمن؟ قال: «إن من حق المؤمن على المؤمن المودة له في صدره، والمواساة له في ماله، والخلف له في أهله، والنصرة له على من ظلمه، وإن كان نافلة في المسلمين وكان غائباً أخذ له بنصيبه، وإذا مات الزيارة إلى قبره، وأن لا يظلمه، وأن لا يغشه، وأن لا يخونه، وأن لا يخذله، وأن لا يكذبه»[16].
وعن أبان بن تغلب قال: كنت أطوف مع أبي عبد الله (عليه السلام) فعرض لي رجل من أصحابنا قد سألني الذهاب معه في حاجة فأشار إلي أن أدع أبا عبد الله (عليه السلام) وأذهب إليه فبينا أنا أطوف إذ أشار إلي أيضاً، فرآه أبو عبد الله (عليه السلام) فقال: «يا أبان إياك يريد هذا؟ ».
قلت: نعم.
قال: «ومن هو؟ ».
قلت: رجل من أصحابنا.
قال: «هو مثل ما أنت عليه».
قلت: نعم.
قال: «فاذهب إليه فأقطع الطواف».
قلت: وإن كان طواف الفريضة.
قال: «نعم».
قال: فذهبت معه، ثم دخلت عليه بعد فسألته فقلت: فأخبرني عن حق المؤمن على المؤمن؟
فقال: «يا أبان دعه لا تريده».
قلت: بلى جعلت فداك، فلم أزل أردد عليه.
فقال: «يا أبان تقاسمه شطر مالك»، ثم نظر إلي فرأى ما دخلني، قال: «يا أبان أما تعلم أن الله قد ذكر المؤثرين على أنفسهم؟ ».
قلت: بلى جعلت فداك.
قال: «إذا أنت قاسمته فلم تأثره بعد تؤثره إذا أنت أعطيته من النصف الآخر»[17].
وعن عيسى بن أبي منصور قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) أنا وابن أبي يعفور وعبد الله بن طلحة فقال ابتداءً منه: «يا ابن أبي يعفور قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ست خصال من كن فيه كان بين يدي الله عز وجل وعن يمين الله».
فقال ابن أبي يعفور: وما هن جعلت فداك؟
قال: «يحب المرء المسلم لأخيه ما يحب لأعز أهله، ويكره المرء المسلم لأخيه ما يكره لأعز أهله، ويناصحه الولاية.
فبكى ابن أبي يعفور وقال: كيف يناصحه الولاية؟
قال: «يا ابن أبي يعفور إذا كان منه بتلك المنزلة بثه همه، ففرح لفرحه إن هو فرح، وحزن لحزنه إن هو حزن، وإن كان عنده ما يفرج عنه فرج عنه، وإلا دعا الله له»[18].
عن محمد بن عجلان قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل رجل فسلم، فسأله «كيف من خلفت من إخوانك؟ ».
قال: فأحسن الثناء وزكى وأطرى.
فقال له: «كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم».
فقال: قليلة.
قال: «فكيف مشاهدة أغنيائهم لفقرائهم؟ ».
قال: قليلة.
قال: «فكيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم؟ ».
فقال: إنك لتذكر أخلاقاً قل ما هي فيمن عندنا.
قال: فقال: «فكيف تزعم هؤلاء أنهم شيعة»[19].
وعن أبي إسماعيل قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك إن الشيعة عندنا كثير، فقال: «فهل يعطف الغني على الفقير وهل يتجاوز المحسن عن المسي‏ء ويتواسون؟ ». فقلت: لا.
فقال: «ليس هؤلاء شيعةً، الشيعة من يفعل هذا»[20].
وعن معلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن حق المؤمن؟
فقال: «سبعون حقاً لا أخبرك إلا بسبعة، فإني عليك مشفق أخشى ألا تحتمل».
فقلت: بلى إن شاء الله.
فقال: «لا تشبع ويجوع، ولا تكتسي ويعرى، وتكون دليله وقميصه الذي يلبسه، ولسانه الذي يتكلم به، وتحب له ما تحب لنفسك، وإن كانت لك جارية بعثتها لتمهد فراشه وتسعى في حوائجه بالليل والنهار، فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايتنا وولايتنا بولاية الله عز وجل»[21].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولايخونه ويحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاقد على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله عز وجل رحماء بينكم متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) »[22].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) «حق على المسلم إذا أراد سفراً أن يعلم إخوانه وحق على إخوانه إذا قدم أن يأتوه»[23].
وعن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «تواصلوا وتباروا وتراحموا وتعاطفوا»[24].
نعم انطلاقاً من مبدأ الأخوة الإسلامية بما لها من الحقوق التي هي ما بين واجب ومستحب، وانتهاءً إلى توحيد التاريخ الإسلامي الهجري، وتوحيد اللغة العربية لغة القرآن والوحي، بذلك سنحصل على ثقافة واقعية إسلامية، وأسلوب صحيح لتكوين مجتمع إسلامي قويم على أساس من الفكر الإسلامي المنفتح، والمتجاوب مع كل تيّارات الحداثة، والتطورات الإيجابية، والمستجيب لكل رغبات الإنسان المادية والروحية المشروعة، وفي ظل ذلك يكون تعميق الوعي الروحي والمعنوي، وتفتح الوعي المادي والتجريبي.
الرسالة العالمية والعولمة الإسلامية
مسألة: رسالة الإسلام عالمية، فلم يكن الإسلام يوماً للعرب وحدهم، ولم يكن القرآن يوماً لقريش وحدها، ومن هنا فإن الحديث عن العولمة الإسلامية حديث جميل وشيق للغاية، إذ قد جاء الإسلام بها منذ أيامه الأولى، ومن حين بزوغ شمسه المنيرة على الكون.
وقد أكد القرآن الكريم على هذا المعنى، وأيدته الأحاديث النبوية الكريمة والسيرة النبوية الشريفة، وهي كثيرة نستعرض منها ما يلي:
1: قال الله تعالى في صفة القرآن الذي هو دستور السماء لأهل الأرض: ((إن هو إلا ذكر للعالمين)) [25].
2: وقال تعالى مباهياً بما أنزل من دستور وبمن أنزل عليه من رسول (صلى الله عليه وآله): ((تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)) [26].
3: وقال سبحانه وهو يصف رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله) ورسالته المباركة: ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)) [27].
4: وقال سبحانه في بيان مهمة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): ((وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً)) [28].
5: وقال جلّ وعلا في أجر الرسالة والرسول (صلى الله عليه وآله): ((وما تسألهم عليه من أجرٍ إن هو إلا ذكر للعالمين)) [29].
6: وقال عزّوجلّ في صفة الكعبة والبيت الحرام: ((إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين)) [30].
7: قال تعالى: ((إن هو إلا ذكر للعالمين، ولتعلمن نبأه بعد حين)) [31].
8: وقال سبحانه: ((إن هو إلا ذكر وقرآن مبين، لينذر من كان حياً)) [32].
9: وقال عز من قائل: ((ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)) [33].
10: وقال تعالى: ((ما فرطنا في الكتاب من شيء)) [34].
إلى غيرها من الآيات والروايات.
ومن هذه الآيات المباركة وغيرها تتجلى الرسالة العالمية، وتتضح العولمة التي جاء بها الإسلام رحمة للناس كل الناس، وليس لطبقة خاصة، كأصحاب الشركات والاستثمارات الذين لا يرون إلا مصالحهم، ولا يعملون إلا من أجل منافعهم، وان تضرر الآخرون من الأكثرية الساحقة.
الأحاديث الشريفة والعولمة
مسألة: يستفاد من الأحاديث الكريمة المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) مقومات العولمة الإسلامية، فترى مخاطبتها لكل العالم، ولكل الأجيال، بلا حرج، وخاصة في ما يخصّ التماسك والترابط الاجتماعي، والتحابب والتوادد العاطفي، وتحويل المجتمع الإنساني الكبير إلى أسرة صغيرة واحدة، يسودها الحب والحنان، والرحمة والإحسان.
فعن مرازم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «عليكم بالصلاة في المساجد وحسن الجوار للناس وإقامة الشهادة وحضور الجنائز، إنه لابد لكم من الناس إن أحداً لايستغني عن الناس حياته والناس لابد لبعضهم من بعض»[35].
وعن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وفيما بيننا وبين خلطائنا من الناس؟ قال: فقال: «تؤدون الأمانة إليهم وتقيمون الشهادة لهم وعليهم وتعودون مرضاهم وتشهدون جنائزهم»[36].
وفي حديث آخر قال قلت له: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممن ليسوا على أمرنا؟ قال: «تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون فو الله إنهم ليعودون مرضاهم ويشهدون جنائزهم ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ويؤدون الأمانة إليهم»[37].
وعن حبيب الخثعمي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «عليكم بالورع والاجتهاد واشهدوا الجنائز وعودوا المرضى واحضروا مع قومكم مساجدكم وأحبوا للناس ما تحبون لأنفسكم أ ما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره»[38].
وعن أبي أسامة زيد الشحام قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): « اقرأ على من ترى أنه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام وأوصيكم بتقوى الله عزوجل والورع في دينكم والاجتهاد لله وصدق الحديث وأداء الأمانة وطول السجود وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد (صلى الله عليه وآله)، أدوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها براً أو فاجراً، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأمر بأداء الخيط والمخيط، صلوا عشائركم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم، وأدوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل هذا جعفري فيسرني ذلك ويدخل علي منه السرور، وقيل هذا أدب جعفر، وإذا كان على غير ذلك دخل عليّ بلاؤه وعاره وقيل هذا أدب جعفر، فو الله لحدثني أبي (عليه السلام) أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي (عليه السلام) فيكون زينها آداهم للأمانة وأقضاهم للحقوق وأصدقهم للحديث إليه وصاياهم وودائعهم تسأل العشيرة عنه فتقول من مثل فلان إنه لآدانا للأمانة وأصدقنا للحديث»[39].
وعن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) «من خالطت فإن استطعت أن تكون يدك العليا عليهم فافعل»[40].
وعن أبي الربيع الشامي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) والبيت غاص بأهله فيه الخراساني والشامي ومن أهل الآفاق فلم أجد موضعاً أقعد فيه، فجلس أبو عبد الله (عليه السلام) وكان متكئاً ثم قال: «يا شيعة آل محمد اعلموا أنه ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه ومن لم يحسن صحبة من صحبه ومخالقة من خالقه ومرافقة من رافقه ومجاورة من جاوره وممالحة من مالحه، يا شيعة آل محمد اتقوا الله ما استطعتم ولا حول ولا قوة إلا بالله»[41].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: عظموا أصحابكم ووقروهم ولا يتهجم بعضكم على بعض ولا تضاروا ولا تحاسدوا وإياكم والبخل كونوا عباد الله المخلصين»[42].
العولمة في السيرة النبوية
مسألة: السيرة النبوية الشريفة وسيرة أهل بيته المعصومين (عليهم السلام)، تؤكد على العولمة الإسلامية، فترى الرسائل التي بعثها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى رؤساء العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام ليسلموا في دنياهم وآخرتهم، وينذرهم عاقبة التمرد والاستبداد، ويحمّلهم أوزار رعاياهم وشعوبهم إن هم بقوا على كفرهم، إلى غيرها مما يفصح عن دعوتهم إلى الانتماء إلى الأسرة الواحدة، والبيت الواحد، ألا وهو أسرة التوحيد، وبيت العدل والمحبة.
فقد أرسل (صلى الله عليه وآله) رسالة إلى كسرى أبرويز بن هرمز، بيد عبد الله بن حذاقة السهمي.
ورسالة إلى هوذا ملك اليمامة بيد سليط بن عمر العاري.
ورسالة إلى ملك الحبشة بيد عمر بن أمية.
ورسالة إلى النجاشي الأول بيد محمد بن أبجر.
ورسالة إلى المقوقس حاكم الأقباط بيد حاطب بن أبى بلتعة.
ورسالة إلى إمبراطور الروم هرقل، وعامله الحارث الغساني، بيد شجاع ابن وهب.
وكان هؤلاء هم العالم المعاصر للرسول (صلى الله عليه وآله) آنذاك.
وكان مضمون هذه الرسائل واحداً وإن اختلفت ألفاظها، وكلها تحكي عن الدعوة إلى الإسلام، والصلح، ومستقبل الحق والأمن والسلام في الدنيا والآخرة.
رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)
إلى هرقل
فكانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى هرقل عظيم الروم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، عبده ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين‎، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسين[43] ((قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولايتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)) [44]».
رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)
إلى كسرى
وكانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى كسرى ملك إيران: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أدعوك بداعية الله عزوجل، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم المجوس».
رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)
إلى النجاشي
وكانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ملك الحبشة: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأضخم ملك الحبشة: بسلمٍ أنت، فإني أحمد إليك الله الذي ‎لا إله هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول لطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، حمله من روحه ونفخ كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وإن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله وقد بعثت إليك ابن عمي جعفر ونفراً من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عزوجل، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي، والسلام عليكم وعلى من اتبع الهدى».
رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)
إلى النجاشي الثاني
وكانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى النجاشي الثاني: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من النبي (صلى الله عليه وآله) إلى النجاشي عظيم الحبشة: سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني رسوله، فأسلم تسلم ((قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)) [45] فإن أبيت فعليك إثم النصارى».
رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)
إلى المقوقس
وكانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المقوقس كبير القبط: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم القبط، و ((قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)) [46]».
رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)
إلى ملك مصر
روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كتب رسالة ثانية إلى المقوقس ملك مصر، وكان نصها: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى صاحب مصر، أما بعد، فإن الله أرسلني رسولاً، وأنزل علي قرآناً، وألزمني بالاعذار والإنذار ومقاتلة الكفار، حتى يدينوا ديني، ويدخل الناس في ملتي، وقد دعوتك إلى الإقرار لوحدانيته، فإن فعلت سعدت، وإن أبيت شقيت، والسلام».
رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)
إلى صاحب دمشق
وكانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر: سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله وصدق، وإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده لاشريك له، يبقى لك ملكك».
رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)
إلى ملك البحرين
وكانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المنذر بن ساوي ملك البحرين: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوي: سلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله ممن أحب ذلك من المجوس فإنه آمن، ومن أبى فعليه الجزية».
رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)
إلى ملك اليمامة
وكانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى هوذة بن علي ملك اليمامة: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي: سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فاسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك».
رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)
إلى ملوك عمان
وكانت رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى جعفر و عبد النبي ملكي عمان: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى جعفر وعبد النبي الجلندي: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافةً لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام، فإنه زائل عنكما وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما».
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يراعي ‎بالإضافة إلى العبارات الأدبية والكلامية في رسائله، الأبعاد التبليغية، والأهداف السياسية والدبلوماسية، فترى الأمور التالية ظاهرة في رسائله ورسله:
1: الشجاعة والاعتماد الكامل بالنفس، فالشخص الدبلوماسي والرجل السياسي لابد أن يكون مطمئناً ومعتمداً اعتمادا كاملاً على شخصيته في إبلاغ ندائه وثقافته ورسالته لمخاطبيه.
2: الألقاب الرسمية المناسبة في تلك الرسائل، مثل: إلى هرقل عظيم الروم، إلى كسرى عظيم فارس، عظيم القبط، وغير ذلك.
3: الترغيب والتهديد المعقول والمناسب في ضمن رسالة واحدة، مثل: (أسلم تسلم).
4: الاستناد إلى الاستدلال والمنطق، عندما يكون مخاطبوه من أهل الكتاب، ومن له ثقافة عالية، مثل: الرسالة التي بعثها إلى النجاشي ملك الحبشة.
5: إبلاغ النداء النهائي للإسلام، وتحرير الإنسان، ونفي الاستثمار، وتشاهد هذه النقطة في خاتمة رسالته بآية: ((يا أهل الكتاب)) [47].
6: بقاء واستمرارية أعمال الحاكمية والقدرة ونفوذ السلطة في حالة الاستجابة لنداء الإسلام وقبول حاكمية الدولة الإسلامية، كما يظهر من رسالته إلى هوذة بن علي ملك اليمامة، والحارث بن أبي شمر الغساني ملك دمشق، والتأكيد عليهما في الرسالتين.
7: الاطمئنان من بسط نفوذه (صلى الله عليه وآله) وانتصار النداء، كما يظهر جلياً في ذيل رسالته إلى هوذة بن علي مشيراً إليه بقوله (صلى الله عليه وآله): «واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر».
وكانت ردود الفعل من قبل رؤساء الدول على نداء النبي (صلى الله عليه وآله) التبليغي متفاوتاً، فبعضهم استجاب لندائه العالمي الرباني، مثل: النجاشي الذي استجاب لدعوة التوحيد وتشرف بالدين الجديد، وأرسل هدية أيضاً إلى النبي (صلى الله عليه وآله).
ولكن البعض الآخر أصر على تكبره وتجبره من قبول دعوة التوحيد، والاستخفاف بنداء النبي (صلى الله عليه وآله)، مثل خسرو برويز ملك إيران حتى بعث اليه (صلى الله عليه وآله) برسالة تهديد.
والبعض الآخر كان متردداً في هذا الأمر، بين قبوله أو رفضه، مثل قيصر والمقوقس، اللذين كانا يخشيان ملتهما.
كما بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) برسائل أخرى إلى رؤساء القبائل والشيوخ، وأدت النتيجة إلى انتصاره (صلى الله عليه وآله) وبسط دولته العادلة ونفوذه على جميع أراضي الجزيرة العربية، وكانت قبائل العرب تأتي إليه (صلى الله عليه وآله) جماعات جماعات وأفواج أفواج معلنين عن استقبالهم لدين الإسلام والانضمام تحت راية التوحيد، كما قال تعالى:
((بسم الله الرحمن الرحيم، إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً * فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان تواباً)) [48].
ومن هنا يعرف أن دعوة الإسلام عالمية حيث يمكن تلخيص روح الرسالة الإسلامية في شعار التوحيد وهو«لا إله إلا الله» وهذا سر علو الإسلام وعطائه العالمي.
ولا ريب في أن أساس العقيدة الإسلامية المتمركزة في ذلك الشعار الخالد يمتلك أروع وأقوى إمكانية على المدى المتواصل عالمياً.
ثم إن انتشار الإسلام وبسرعة فائقة، ورغبة ملحة من الشعوب، في أكثر مناطق المعمورة، هو مصداق بارز للعولمة الإسلامية التي تنسجم مع فطرة الإنسان، وبكل أبعادها الفكرية والثقافية، والدينية والتعبدية، والسياسية والعسكرية، والاقتصادية والتجارية، وغير ذلك من الأبعاد الحيوية الأخرى.
ولقد حاربت كل من الإمبراطوريتين: الفرس والروم، الإسلام والمسلمين، وأخذت تجاهه مواقف عدائية، ورفضت الدين الجديد، والحضارة الجديدة، وذلك بدوافع من الخوف على معتقداتهم وان كانت سقيمة، والحذر من فقدان ما تركه لهم الآباء والأجداد وان كان هشاً، فحرموا بذلك أنفسهم وشعوبهم رحمة الإسلام وعدله، حيث إنهم لم يعيروا أهمية للثقافة الإسلامية، ولا للمعلومات الحضارية، ولا للقوانين السماوية التي جاء بها الإسلام لإسعاد الإنسان وإرغاد عيشه، وإعزاز شخصه فرداً ومجتمعاً.
العولمة وحقوق الإنسان
مسألة: ينبغي الالتفات إلى أن العولمة التي جاء بها الإسلام هي آخر صيغة في قاموس الحقوق ـ بما فيه من حقوق الإنسان ـ من حيث الصحة والأمانة، والجامعية والشمول، ولما كان وما يكون، ولم تكن هناك صيغة كهذه تجمع بين العدل والأخلاق والنمو والازدهار.
قال الله تعالى: ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)) [49].
ومما يدل على ذلك رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام) [50]، وخطب أمير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله في نهج البلاغة كعهده (عليه السلام) إلى الأشتر النخعي[51] وما أشبه.
قال الراوي: وعظنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) موعظة ذرفت العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا، قال: «لقد تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ بعدها إلا هالك، ومن يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي بعدي وسنة الخلفاء الراشدين من أهل بيتي، فعضوا عليهم بالنواجذ وأطيعوا الحق ولو كان صاحبه عبدا حبشيا، فإن المؤمن كالجمل الألوف حيث ما قيد استقاد»[52].
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «أغلق أبواب جوارحك عما يقع ضرره إلى قلبك، ويذهب بوجاهتك عند الله تعالى، ويعقب الحسرة والندامة يوم القيامة، والحياء عما اجترحت من السيئات، والمتورع يحتاج إلى ثلاثة أصول: الصفح عن عثرات الخلق أجمع، وترك خطيئته فيهم، واستواء المدح والذم، وأصل الورع: دوام محاسبة النفس، والصدق في المقاولة، وصفاء المعاملة، والخروج من كل شبهة، ورفض كل عيبة وريبة، ومفارقة جميع ما لا يعنيه، وترك فتح أبواب لايدري كيف يغلقها، ولا يجالس من يشكل عليه الواضح، ولا يصاحب مستخف الدين، ولا يعارض من العلم ما لا يحتمل قلبه ولا يتفهمه من قائله، ويقطع عمن يقطعه عن الله عز وجل تعالى شأنه»[53].
نعم إن الإسلام قد سن حقوق الإنسان، حقوقاً رفيعة ولائقة به وبكرامته، ودافع عنها وناضل من أجلها.
وقد جعل الإسلام، الإنسان وحقوقه، هو المركز والمحور لعولمته التي جاء بها، وذلك نظراً لما يكون بين العولمة وحقوق الإنسان من ترابط وثيق، ومن تأثير كبير لكل واحد منهما على الآخر، ومن توقف نجاح وفوز، بل سعادة وسيادة كل منهما على الآخر، مما جعلهما كتوأمين لا ينفكّان.
نعم إن العلاقة بين حقوق الإنسان والعولمة قد تداخلت بشكل ملحوظ، وترابطت بصورة وثيقة، وذلك لأن العولمة وبكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية أخذت تؤثر تأثيراً كبيراً وعميقاً على حقوق الإنسان في كل هذه الأبعاد المذكورة من سياسة واقتصاد، وثقافة واجتماع، وغير ذلك.
وقد أصبحت العولمة في إطارها العلمي النظري، الذي يدعو إلى تزايد التبادل، وتحقيق الاعتماد المتبادل على مستوى العالم، وإدارة المصالح المشتركة للبشرية ولصالح الناس، تبدو وكأنها ضرورة لا غنى عنها في التعامل مع كثير
من قضايا حقوق الإنسان، بعد اتساع هذه الحقوق وتداخلها على مستوى
العالم.
أجل يلزم أن تكون حقوق الإنسان بما للكلمة من معنى جزءً من القانون الدولي، ولم تعد الانتهاكات اليومية التي تحدث لحقوق الإنسان في أي مكان من العالم، من الشؤون الداخلية للدولة، بل تصبح من اهتمامات المجتمع الدولي ككل، وتتطلب تدخله فيها، فإن ذلك من حق الشعوب المضطهدة على عاتق المنظمات العالمية تجاه حكوماتهم الغاشمة وحكامهم الظالمين، رغم إن مقاييس هذا التدخل ما زالت غامضة ومثيرة للكثير من الجدل، والكبير من المناقشة.
إن دائرة حقوق الإنسان قد اتسعت اليوم اتساعاً كبيراً، بحيث أصبحت تتناول قضايا لا يمكن معالجتها في نطاق إقليمي محدود، وإنما يجب معالجتها على مستوى العالم، مثل الحق في تحقيق السلام الذي أصبح يحتاج إلى تصميمات أوسع نطاقاً من الدول المتنازعة والأطراف المتخاصمة.
وهكذا يكون الحق في تحقق التنمية، الذي أضحت فيه مسؤولية الدول القادرة متجلية واضحة تجاه الدول التي تنعدم فيها إمكانات التنمية لنقص الموارد وفقد المواد الخام.
وكذلك يكون الحق في امتلاك بيئة نظيفة، عديمة التلوث، فإن ما يحدث من حرائق في الغابات وغيرها يؤثر على العالم أجمع من حيث تلويث البيئة وفساد المناخ والأجواء.
المطالبة بحقوق الإنسان
مسألة: لقد علا جهاراً وفي كل أرجاء الأرض صوت المطالبة بالحقوق السياسية وكذلك المدنية للإنسان، ونال دعماً كبيراً في عصر العولمة، وإن كانت هناك سياسات حاكمة على هذه النداءات حيث لا ترضى إلا بمصالحها لا مصلحة الإنسان بما هو إنسان.
لقد أصبحت حقوق الإنسان هي لغة العصر التقدمية، للعوامل والأسباب التي نذكر بعضها، علماً بأن الإسلام هو الذي بين أفضل حقوق الإنسان وضمنها له.
السبب الأول:
سهولة الاتصالات والارتباطات وسرعة تناقل الأخبار والمعلومات، بحيث أصبحت الكرة الأرضية على أثرها كقرية صغيرة، وأسرة واحدة، فإن في وصول أخبار الانتهاكات وهدر الكرامات، وبسرعة فائقة من أدنى الأرض إلى أقصاها، وذلك عبر الفاكس والإنترنت وما أشبه، إضافة إلى وسائل الإعلام المختلفة التي جعلت كل الناس في الأرض يعيشون في رؤية وعلى مسمع من الجميع، هو نوع انتصار للإنسان ولحقوقه الضائعة، وإن كان الانتصار الحقيقي والكامل للإنسان لا يتحقق إلا في ظل الإسلام وعولمته العادلة، التي تجمع بين النمو والإزدهار والعدل والأخلاق.
نعم، بعد هذا التقدم الكبير في الارتباطات أصبح من الصعب إخفاء الانتهاكات التي يمارسها الحكام ضدّ الشعوب بالنسبة إلى حقوق الإنسان، وهذا يعتبر تطوراً هاماً وكبيراً يؤدى إلى تحقق الحريات الإنسانية، ورعاية حقوق الإنسان مستقبلاً، ويؤدي أيضاً إلى صعوبة إقامة الأسوار الحديدية مرة أخرى ومن جديد حول أي مجتمع من المجتمعات، وذلك بعد هذه الثورة في الاتصال، والقفزة في المعلومات والارتباطات المدهشة.
السبب الثاني:
حدوث منظمات وجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان، فإن المنظمات الدولية وجمعيات حقوق الإنسان في العالم بما فيها منظمات وجمعيات العالم الثالث، استطاعت ولو بقدر من أن توصل صوت الإنسان إلى أخيه ومن إيجاد بعض الضغوط الدولية على من لا يحترم حقوق الإنسان، علماً بأنه من اللازم استقلالية هذه الجمعيات اقتصادياً وإعلامياً وسياسياً وما أشبه،حتى لا تخضع في عملها للدول الكبرى أو ما أشبه.
وعند ذلك يكون من السهل اليسير التحرك دولياً في مواجهة الانتهاكات المحلية، كما ويمكن خارجياً أن تجعل صوتاً عالمياً لمن يحرم من صوته، وفى هذا السبيل يمكن تجنيد جميع منظمات حقوق الإنسان في العالم كله للوقوف ضد هذه الانتهاكات ومساندة نشطاء حقوق الإنسان والدفاع عنهم.
ويمكن أن تصبح هذه المنظمات والجمعيات الحقوقية المنتشرة في الأرض بذرة صالحة لشجرة مثمرة، تثمر مجتمعاً مدنياً، على مستوى العالم، ولقد أدت شبكات الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة بما فيها الفاكس والجوّال والميديا العالمية دوراً هاماً في إقامة هذه المنظمات والجمعيات واستمراريتها.
نعم إن هناك بعض التلكؤ في تحقيق أهداف هذه المنظمات والجمعيات ناتجة عن عدم استقلالية بعض هذه المنظمات، ونفوذ بعض الدول الكبرى فيها، مضافاً إلى رفض بعض الحكومات المعاصرة لمنظمات حقوق الإنسان، أو حاصلة من ملاحقتها لها باستمرار، مما اضطر الكثير من هذه المنظمات إلى أن تستمد العون من الخارج، حتى أصبحت على اثر ذلك كأنها امتداد لتلك المنظمات الخارجية، وخسرت عندها التفاعل الحقيقي مع المؤسسات الوطنية والشعبية، كما وفقدت التعامل الصادق مع تلك الحكومات المعاصرة وشعوبها.
ولكن مع كل ذلك فقد حققت هذه المنظمات على اثر الضغط الإنساني الموجود، نجاحاً نسبياً، لكنه ليس بالمستوى المطلوب، الذي يطالب به الإسلام من حقوق الإنسان بما هو إنسان لكي يستطيع التقدم في مختلف مجالات الحياة خاصة ما يرتبط بالانفتاح في الحكم، ورعاية حقوق المعارضة، والتعددية السياسية، ونفي الاستبداد عند الحكام، واحترام حقوق الإنسان لدى الجميع.
السبب الثالث:
حصول ثورة تجارية عالمية ذات كرامة اقتصادية، والكرامة الاقتصادية تأتي بالكرامة الإنسانية، فإن التوسع المثير في حقل التجارة العالمية، والثورة التجارية هذه قد ضاعفت فُرص الاتصال بين المجتمعات المنفتحة والمجتمعات المنغلقة.
ومن المعلوم: أن هذا الاتصال المتكرر مع مختلف المؤسسات الاقتصادية الدولية يدفع إلى التعارف الأكثر، والتقدم الأكبر في مجال الوعي بالحريات الأولية من الانفتاح ونفي الاستبداد، علماً بان معظم الدول الغربية والشرقية، ومجموعة الدول الأوروبية، والمؤسسات العالمية الغربية المهتمة بعمليات التحول إلى اقتصاد السوق وصناديق التنمية، تتظاهر بالربط بين المساعدات التي تقدمها للدول النامية، وبين سجل حقوق الإنسان والتحولات السياسية: من نفي الاستبداد ودعم الانفتاح في هذه الدول.
واللازم أن تصبح قضية الدفاع عن حقوق الإنسان أمر حقيقي لا يمكن لأحد أن يتجاوزه.
ومن الواضح أن ازدهار الحريات ونفي الاستبداد يؤثر إيجابياً على حقوق الإنسان ويسبب كرامته السياسية والمدنية.
المسلمون والعولمة الغربية
مسألة: يلزم على الأمة الإسلامية ومثقفيها أن تتخذ الأسلوب المناسب تجاه مساوئ هيمنة العولمة الغربية.
فإن ما تقدم من تصريحات بوش الأب، واعترافات الخبير الأمريكي، والمواقف العملية للحكام الأمريكان، بل المواقف العملية لحكام الغرب والشرق كلهم، تتطلب منا ونحن في جانب آخر من العالم أن نحدّد موقفنا من هذه الهيمنة الغربية الظالمة، كما إن علينا ونحن نعيش في البلدان الإسلامية أن نقرر طريقة مواجهة هذا التحدي، وأسلوب هذه المواجهة، آخذين بالحسبان ما نحن مقبلين عليه من القرن الواحد والعشرين قرن تعارف الثقافات وتقاربها، واختيار الأحسن منها، كما قال تعالى: ((وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا... )) [54].
وقال سبحانه: ((فبشر عبادِ * الذين يستعمون القول فيتبعون أحسنه)) [55].
ويجب أن يكون ذلك بأساليب أكثر نجاحاً من تلك التي واجهنا بها سابقاتها، مثل مواجهة هجمات نابليون بونابرت على مصر أواخر القرن الثامن عشر، أو تلك التي قوبل بها سقوط الأمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى أوائل القرن العشرين.
والأسلوب الناجح هو اتباع سياسة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من سياسة السلم واللاعنف والاكتفاء الذاتي والتطور العلمي والعملي وما أشبه.

تصريف العولمة
العولمة ثلاثي مزيد، يقال: عولمة، على وزن قولبة، واللفظ مشتق من العالم، والعالم جمع لا مفرد له كالجيش والنفر، وهو مشتق من العلامة على ما قيل، وقيل: مشتق من العِلم، وذلك على تفصيل مذكور في كتب اللغة.
فالعولمة كالرباعي في الشكل فهو يشبه (دحرجة) المصدر، لكن (دحرجة) رباعي منقول، أما (عولمة) فرباعي مخترع ـ إن صح التعبير ـ.
فإن هناك جماعة من اللغويين يقولون بجواز اختراع ألفاظ وكلمات في اللغة العربية على وزان الألفاظ والكلمات الموجودة فيها، كما يقولون بجواز الزيادة والنقيصة على حسب الزوائد أو النقائص اللغوية الأخرى، مثل: صرف الباب الثلاثي إلى باب الانفعال، أو التفعيل، أو المفاعلة، أو الاستفعال، وكذلك أبواب الرباعيات ونحوها، فإنه كما يقال: عولمة، يقال: تعولمنا، وتعولمتُ، وتعولمتِ البلاد وهكذا، من قبيل تدحرجنا، وتدحرجتُ، وتدحرجتِ الكُرات وما أشبه ذلك.
العولمة لغة واصطلاحاً
إن العولمة على ما سبق مشتق من العالم، أي: صرنا عالميين، ومعنى العالمية: أن تتحد كل شعوب العالم في جميع أمورها على نحو واحد وهيئة واحدة في الجملة، فيكونوا كبيت واحد، وأسرة واحدة، فلا يكون هناك شعب فقير وشعب غني، ولا شعب اُمي وشعب مثقّف، ولا شعب تختلف اقتصادياته أو سياسياته أو ثقافياته أو اجتماعياته أو سائر شؤونه ـ كشؤون التربية والسلوك وما أشبه ذلك ـ عن شعب آخر، أي: كما كان عليه الحال قبل الآلة الحديثة، حيث الأسفار البعيدة، والاتصالات المنقطعة أو شبه المنقطعة، وإنما يكون الانتماء للعالم كلّه كالانتماء إلى دولة واحدة كلها، فكما يقال: بغدادي وبصري، يقال: عراقي ومصري، أو شرقي وغربي أو ما شابه ذلك، فإن البلاد وإن كانت مختلفة ولم يتصل بعضها ببعض، لكنّ الفكر يكون واحداً، والاتصال موجوداً، ويبقى الاختلاف قليلا وبشكل جزئي في بعض النقاط وفي المناطق الصغيرة من أطراف العالم.
أما الاختلاف في العالم وعلى نحو عام وكلي فلا يكون، حيث تتداخل السياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع وغير ذلك بعضها في بعض، وتؤثر جميعاً على حياة الانسان في الأرض أينما كانوا وحيثما حلوا ونزلوا، وذلك من دون اعتداد قابل للذكر بالحدود السياسية لدول ذات السيادة، أو الانتماء إلى وطن محدّد أو لدولة معيّنة، ومن دون حاجة إلى إجراءات حكومية خاصة، ولا إلى تعديل الإجراءات وتوحيدها أو تعديل الحكومات وتوحيدها، لأنها رغم كثرتها وتعددها تكون واحدة من حيث السلوك والأسلوب نوعاً ما، وإذا كان بينها اختلاف يكون الاختلاف عندها من نوع الاختلاف في الولايات، لا كالاختلاف في الدول.
إذن: العولمة التي أصبحت اليوم كلمة شائعة في العلوم الاجتماعية، ومستخدمة كثيراً في الأدب المعاصر، يمكن تعريفها بما يلي: إعطاء الشيء صفة العالمية، من حيث النطاق والتطبيق.
من تعاريف العولمة أيضاً
ولقد عرفوا العولمة بتعريف آخر، قالوا: (العولمة اسم شمولي مصطلح للدلالة على حقبة نفوذ تتميز بأدوات أوسع من الأدوات الاقتصادية، تهم الثقافة والحضارة حتى البيئة ـ مع احتفاظ الاقتصاد بعمودها الفقري ـ لديها قدرة التأثير على العالم، وذلك بغلبة من الرأسمالية الغربية التي تجتاح العالم وتسيطر على أسواقه المالية والفكرية).
وعرفوا العولمة بتعريف ثالث، قالوا: (العولمة هي الحركة الاجتماعية التي تتضمن انكماش البعدين: الزماني والمكاني، مما يجعل العالم يبدو صغيراً إلى حد يُحتّم على البشر التقارب بعضهم من بعض).
وعرفوها بتعريف رابع وهو: (التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسية والثقافة والسلوك، دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة، أو انتماء إلى وطن محدد، أو لدولة معينة، ودون حاجة إلى إجراءات حكومية).
فقالوا: إن المفهوم الدقيق للعولمة يعني هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي وانتشاره في الصميم مضافاً إلى انتشاره في الظاهر أيضاً، وبعبارة أخرى واضحة يعني: هيمنة النمط الرأسمالي الأمريكي، ليتلازم معنى العولمة في مضمار الإنتاج والتبادل المادي والرمزي، مع معنى الانتقال من المجال الوطني أو القومي إلى المجال العالمي أو الكوني، وذلك في ضمن مفهوم تعيين مكاني جغرافي: وهو الفضاء العالمي برمته، وتعيين زماني تاريخي: وهو حقبة ما بعد الدولة القومية، أي: الدولة التي أنجبها العصر الحديث إطارا كيانياً لصناعة أهم وقائع التقدم الاقتصادي والسياسي، والاجتماعي والثقافي.
فالعولمة المتداولة يعني: وصول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتداول، والتوزيع والتسويق، والتجارة والتمويل، إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها.
وبعبارة ثانية: إن ظاهرة العولمة المتداولة هي بداية عولمة الإنتاج، والرأسمال الإنتاجي، وقوى الإنتاج الرأسمالية، وأخيراً علاقات الإنتاج الرأسمالية أيضاً، وترويجها في كل مكان مناسب خارج مجتمعات المركز الأصلي ودوله.
فالعولمة بهذا المعنى هي: رسملة العالم على مستوى الصميم بعد أن تمّت رسملته على مستوى سطح النمط ومظاهره.
ويكون الناتج من هذه التعاريف كلها: ان العولمة حسب قول البعض هو:
حرية أصحاب رؤوس الأموال، لجمع المزيد من المال في سياسة اقتصادية قديمة، كانت تعتمد على الإنتاج الذي يؤدي إلى تحقيق الربح، وانقلابه اليوم إلى الاعتماد على تشغيل المال فقط دون خسائر من أي نوع، للوصول إلى احتكار الربح.
إن هذا المعنى يتلخص في عودة الهيمنة الغربية من جديد، لكن محمّلة على أجنحة المعلوماتية والعالم المفتوح، ومدجّجة بالعلم والثقافة حتى وإن كانت غير إنسانية، وبذلك تقلب القاعدة القديمة القائلة: إنّ القوي يأكل الضعيف، إلى قاعدة جديدة عصرية عولمية تقول: السريع يأكل البطيء، علماً بأن القاعدة الجديدة، لا تختلف عن القاعدة القديمة، من حيث النتيجة، بل تكون هذه الجديدة أشدّ بأساً وأعظم ظلماً من تلك القديمة، لأن أصحاب السرعة يعملون على تثبيط حركة الآخرين بكل وسعهم وجميع إمكانياتهم.
إن منطق التطور الرأسمالي يقضي بالتوسع المستمر خارج الحدود، إذ قد انتقلت الرأسمالية من حدود الدولة القومية والاقتصاد القومي، في عملية زحف استعماري سريع، وفرض هيمنة واسعة حتى شملت عالم ما وراء البحار ومعظم مناطق جنوب الأرض لتطال المواد الخام واليد العاملة الرخيصة والأسواق.
وهكذا خرج النظام الرأسمالي العالمي من واجهة المزاحمة أو المنافسة الحرة، إلى واجهة الاحتكار وواجهة الهيمنة والاستعمار مع أن الاحتكار والاستعمار من أبغض الصفات التي يمكن أن يتصف بها ظالم وغاشم.
وقد ورد النهي عن الاحتكار في الشريعة الإسلامية، قال أبو عبد الله (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون»[1].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «نفد الطعام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتاه المسلمون فقالوا: يا رسول الله قد نفد الطعام ولم يبق منه شيء إلا عند فلان فمره يبيعه الناس، قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا فلان إن المسلمين ذكروا أن الطعام قد نفد إلا شيئاً عندك فأخرجه وبعه كيف شئت ولا تحبسه»[2].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الحكرة أن يشتري طعاماً ليس في المصر غيره فيحتكره فإن كان في المصر طعام أو يباع غيره فلا بأس بأن يلتمس بسلعته الفضل»[3].
وفي الحديث عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحتكر الطعام ويتربص به هل يجوز ذلك، فقال: «إن كان الطعام كثيراً يسع الناس فلا بأس به، وإن كان الطعام قليلا لا يسع الناس فإنه يكره أن يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام»[4].
وعن معتب قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) وقد يزيد السعر بالمدينة: «كم عندنا من طعام؟ » قال: قلت: عندنا ما يكفينا أشهراً كثيرةً، قال: «أخرجه وبعه»، قال: قلت له: وليس بالمدينة طعام، قال: «بعه»، فلما بعته قال: «اشتر مع الناس يوماً بيوم»، وقال: «يا معتب اجعل قوت عيالي نصفاً شعيراً ونصفاً حنطةً فإن الله يعلم أني واجد أن أطعمهم الحنطة على وجهها ولكني أحب أن يراني الله قد أحسنت تقدير المعيشة»[5].
وعن معتب قال: «كان أبو الحسن (عليه السلام) يأمرنا إذا أدركت الثمرة أن نخرجها فنبيعها ونشتري مع المسلمين يوماً بيوم»[6].
أما اليوم في سياق الثورة الثقافية نرى التوسع الرأسمالي يحتل المكان الأسمى من الدعاية والتبليغ، ليفسح المجال أمام هيمنة الأسواق وسياسة الربح وحده، فيطيح بحدود جديدة: الحدود القومية في نفس المجتمع الرأسمالي بعد أن أطاح بحدود المجتمعات المنتمية إلى منظومة الجنوب وما أشبه.
ولكن يبدو أن العولمة بمعناها الشمولي أعم من العولمة الاقتصادية ـ وإن كانت ربما هي الهدف الأصلي من عولمتهم الغربية تحصيلاً للأرباح الأكثر والأكبر والأشمل ـ فتشمل أيضاً العولمة السياسية والثقافية والاجتماعية وما أشبه.
خلاصة التعاريف
إن النمط الجديد الذي مرّ ذكره: من التوسع واستمرار هيمنة الأسواق، وسياسة الربح وحده، الذي هو مرحلة جديدة من مراحل الهيمنة والاستعمار الجديد، هو ما أطلقوا عليه اليوم اسم: العولمة، وصفته الظاهرة هي ـ كما يراه الخبراء ـ توحيد العالم وإخضاعه لقوانين مشتركة تضع حداً فيه لكل أنواع السيادة.
إن هذا المسار بدأ على الساحة منذ ميلاد ظاهرة الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات، وذلك قبل عقود، لتصل اليوم إلى نظام التجارة الحرة الذي اعترف به دولياً، وقرر التعبير عنه مؤسسياً ضمن قوانين موضوعها: رؤوس الأموال والتجارة، والحواجز الجمركية والقاطرات المالية، وهذه القوانين يلغي مفعولها مفعول القوانين المرعية في الدول الوطنية بتحطيم الحواجز الجمركية لصالح حرية انتقال السلعة ورؤوس الأموال فيها، وذلك بإشراف منظمة دولية تحمل اسم (الغات)، وهي اختصار لعبارة «الاتفاقية العامة للتعرفات الجمركية» وأهداف الغات ومن بعدها المنظمة العالمية للتجارة هي: تحرير التجارة الدولية وإزالة الحواجز الجمركية وفتح الأسواق الدولية أمام المنافسة بنحو الليبرالية الاقتصادية. وكل دولة خرجت عن إطارها ورفضت الانخراط فيها كان جزاؤها العزلة الاقتصادية، وهي أخطر أنواع العقوبات التي لا تتحمل عادة.
إن أمريكا أدّت دوراً رئيسياً في دعمها للرأسمالية، إذ مضافاً إلى أنها بقيت طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أكبر سوق وأكبر دولة مصدرة في العالم، اتخذت من بناء اقتصاد عالمي رأسمالي، حجر أساس في سيطرتها على الصعيد السياسي، والصعيد الاقتصادي الدولي، ومن المعلوم أنها حيث كانت أكبر دولة مصدرة، فإن لها أعظم مصلحة شخصية في تنمية الاقتصاد العالمي، لأجل تغذية نموها الاقتصادي.
ثم إن أمريكا ومن منطلق حراسة الأنظمة والمؤسسات الرأسمالية التابعة لها، في وجه التهديدات الناجمة من أنظمة اجتماعية واقتصادية أخرى كالشيوعية والاشتراكية، صرفت الكثير على انتشار اقتصاديات رأسمالية في بلدان أخرى في أوروبا الغربية، وفي شرق وجنوب شرقي آسيا، وعلى الأخص في بلاد عدوّيها السابقين: ألمانيا واليابان، بالإضافة إلى مشروع مارشال في أوروبا الغربية.
هذا وقد صرفت أمريكا مساعداتها الخارجية أيضاً في مناطق أخرى من العالم النامي تعزيزاً للمؤسسات الرأسمالية حيثما أمكنها ذلك بل فوق ما يتصور.
ولكن رغم كل ذلك، فإن الرأسمالية بمعناها الموجود حيث إنها كالشيوعية والاشتراكية مخالفة للفطرة والعقلانية، فإن مصيرها سيكون نفس مصير الشيوعية والاشتراكية من السقوط والزوال، ولا يبقى على وجه الأرض إلاّ العولمة الصحيحة التي دعا إليها الإسلام

كل حرب تبدأ من الكلمة. وبالكلمة تنتهي. واليوم، حتى الصغير، أصبح يعرف إن: الحرب هي استمرار للسياسة ولكن بوسائل أخرى... واليكم المثال النموذجي والمعروف جداً والذي يؤكد تلك المقولة: الحرب الباردة بدأت منذ أن ألقى تشرشل خطابه في فولتون عام 1946. وفورا "بعد أن انتصرت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون في تلك الحرب الباردة باشر هؤلاء أنفسهم حربا" جديدة ـ من اجل السيطرة الكاملة على العالم. وهذه يمكن تسميتها "حرب الكلمات" ذلك أنها بدون إراقة دماء وربما من دون طلقة واحدة قادرة على ابادة الجيوش الوطنية وزعزعة الحدود الدولية والقومية، وتقويض استقرار شعوب بأكملها. والسلاح الأساسي في هذه الحرب ـ العولمة !!



لاشك إن العولمة ظاهرة متعددة الأوجه ومعقدة للغاية. ومن المستحيل الخوض في التفاصيل من خلال مقال واحد مهما كبر. ولكن سنحاول الوقوف على بعض الجوانب الرئيسية والمفتاحية، من وجهة نظرنا، والتي ستقدم تصوراً كافياً عن هذه العملية ككل.
مهما بدا ذلك غريباً فان أفكار العولمة، حقيقة، لم تظهر لأول مرة لا في نهاية القرن العشرين ولا في أمريكا أو أوروبا الغربية. وإنما يمكن القول أن أول "إنسان عولمي" في تاريخ البشرية كان.. السيد المسيح! هو بالضبط الذي أعلن، ومنذ أكثر من ألفي عام أن ما يجب أن يوحّد البشرية ليس الانتماء لعرق أو لشعب أو دولة ما.. وان ما يوحدها هي "فكرة علوية" حول الأخوة والمساواة الكاملة. لكن قطعاً لم يكن السيد المسيح يقصد أن تحكمنا حكومة عالمية ولا حتى قداسة البابا في روما، والذي لم يرد ذكره على لسان يسوع، بل ما قصده المخلص هو الأب السماوي.
أفكار العولمة على طريقة " السيد المسيح " كانت تفهم وتطبّق، في القرون الوسطى، من قبل أقوياء العالم بشكل مباشر ووحيد الجانب: مبشّرين بعقيدتهم وبالتالي بإيديولوجيتهم، إن رجالات الكنيسة كانوا يضطهدون مخالفيهم في الرأي بالحديد الملتهب وحاولوا تصفية أصحاب "الرأي الآخر" بالحرق أو شنوا الحملات الصليبية ضد "الكافرين“. وقد مارس الملوك نفس الشيء وبنفس الأساليب ولكن بشكل أوسع.. إذ لم تتوقف الحروب في أوروبا ـ فعلى امتداد ألفي سنة من التاريخ الحديث لم تعرف أوروبا ما مجموعه أكثر من عشرين سنة هدوءاً وبدون حروب !!
لكن الأمر تغير قليلاً مع نشوء وتمكن الأفكار ما فوق الوطنية لمفكرين اشتراكيين - طوباويين من أمثال سان -سيمون وفورييه أو من هم اقرب إلينا – الشيوعيون: ماركس وانجلس ولينين. فبالنسبة لهؤلاء حلّت "فخامة البروليتاريا" مكان الله كمركز موحّد جامع للعالم.. "يا عمال العالم اتحدوا" ــ تحت هذا الشعار انطلقت أضخم واغرب تجربة سياسية أممية في التاريخ: بداية في جمهورية فرنسا القرن التاسع عشر، ومن ثم على سدس الكرة الأرضية ـ روسيا وبعدها كل العالم.
واليوم بدلاً من الاشتراكيين - الامميين جاء العولميون - المحدثون من "موجة جديدة"، مع أفكارهم الخاصة حول الاقتصاد الأممي ومع فكرة حكومة عالمية واحدة.
الملفت للنظر انه مع كل انقلاب سياسي جديد نرى المنتصرين يلجأون فقط إلى تغيير الغطاء الإيديولوجي للإصلاحات الجارية. في حين إن جوهر هذه الأخيرة هو هو ذاته: السيطرة "ما فوق الحكومية"، و"ما فوق الوطنية"، والكاملة للأقلية الشوفينية على شعب بلد معين، ومن ثم على شعوب كل العالم.
كما قال أحد المفكرين إن السياسة هي تكثيف للاقتصاد. أما أنا فسأغامر وأضيف لذلك المفكر وأقول: إن الهرطقة الكلامية لجميع أولئك " الـ.. يين" هي مجرد غطاء تكتيكي للوصول إلى هدف استراتيجي واحد - ألا وهو دوماً السيطرة الكاملة والشاملة، الاقتصادية في الدرجة الأولى، على العالم. إنما اللحظة التاريخية فقط هي التي تفرض من حين لآخر التوجهات السياسية اللازمة لتحقيق ذات الهدف أولاً وأخيراً.بخلاف الاشتراكيين -الامميين السابقين، إن " الامميين " (الحاليين ـ العولميون وفي صراعهم مع الإيديولوجيا الشيوعية) لا يجهدون أنفسهم بتقديم أية أدلة على صحة وجهة نظرهم، ببساطة هم اعتبروا آباءهم الروحيين والسابقين لهم، أي الشيوعيين الامميين، "خارجين عن القانون"؛ وان أفكارهم غبية وهدّامة، وفي أفضل الحالات هي أفكار خاطئة وانسدادية الأفق أي غير قابلة للتطبيق.
لكن في الواقع فان أوجه القرب أو التشابه بين هذين التيارين من الأممية هو أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. التشابه ينبع من وحدة الهدف . مثلاً هؤلاء وأولئك يعتقدون بإمكانية التحكم بالعالم من خلال القوميسارات أو عملاء فّعالين. فمن اجل الاستيلاء على بقعة أو بلد ما يتوجب بداية تأسيس وصياغة ومن ثم زرع الغطاء الإيديولوجي اللازم لمثل هكذا "عملية". بالضبط لهذا السبب يتم اليوم الاستيلاء على الصحف وقنوات التلفزة كما كانوا سابقاً يسعون ولو عبر المعارك والقتال للسيطرة على محطات القطارات ومراكز البريد والهاتف. نظرياً، أكثر أهمية فهو أن أية عولمة حالية أو لاحقة لا تضع هدفاً لها تحسين مستوى معيشة الأغلبية. نظرياً، في الشعارات ـ نعم . أما على ارض الواقع ـ هراء. ففي عصر الاشتراكية كان يقدم لتلك الأغلبية الحد الأدنى للمتوسط الضروري ـ في الحقيقة ليس أكثر من مستوى حافة الفقر حيث فعلاً لم يكن يوجد جائعين بالمعنى الحرفي للكلمة. وبما انه من المستحيل أن نصبح جميعاً أغنياء كفاية فقد كانت أمام المجتمع مهمة إيديولوجية ترمي لبناء "إنسان واعي فوق العادة“، الذي يجب أن تبقى متطلباته المادية في الحدود الدنيا الممكنة للبقاء. تذكّروا شعار مرحلة الشيوعية المنتصرة: "من كل حسب استطاعته، ولكل حسب حاجته" ــ شعار بقدر ما هو رنان بقدر ما هو خيالي. الحقيقة هي إن متطلبات الفرد لا حدود لها. كلما ازداد تملكه ــ كلما كبرت رغباته وحاجياته. ولن تكون نهاية لتلك الثنائية. على كل حال طالما أن الكرة الأرضية مصابة بداء الاستيطان من قبل بني البشر ؟! .
ذات القضايا والإشكاليات كانت قائمة في حينه أمام رجالات الكنيسة. في البداية، أنكرت المسيحية على المؤمن الغنى الشخصي واعتبرت الثروة آفة، بينما صار الفقر يعادل الكبرياء و بطاقة مرور إلى جنات السماء. خصوصاً لو أصبح المرء فقيراً بسبب تبرعه بأمواله في سبيل قضية إيمانية. فقط من يضحي لأجل "الهيكل" (أي لآجل الفكرة)، والذي لا يملك سوى "ما هو ضروري للعيش"، كان لديه الأمل في دخول الجنة السماوية. أما المبشرون الرئيسيون لهذه الإيديولوجية ـ باباوات الكنيسة في روما ـ فقد أحاطوا أنفسهم بكل أشكال البذخ والثراء لدرجة اللا معقول.
لاشيء جديد في عالمنا الأرضي. فكل ما يجري في أيامنا معروف وواضح. ومهما نظّر العولميون ـ الأمميون الحاليون فان العولمة تسبب فرزاً عميقاً في المجتمع وفق درجة التملك. أما المجتمع الديموقراطي، خصوصاً في بلدان الاشتراكية سابقاً، فلم يعد له وجود بعد أن انقسمت تلك المجتمعات إلى "سوبر أغنياء"، وفقراء بالمعنى البسيط والدقيق للكلمة. وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية ـ قلعة العولمة ـ فقد انخفضت أجرة العمل حوالي 10% من قيمتها الفعلية خلال العشر سنوات الأخيرة. هذا ما يعلنه صراحة معارضو العولمة في أمريكا، بينما ينكرونه ويتسترون عليه خبراء الاقتصاد ـ العباقرة في روسيا ـ أصحاب التوجه الغربي.
ومن خصوصيات العولمة الحالية هو حصول تبدلات بنيوية في سوق الاستهلاك في البلدان الغربية المتطورة اقتصادياً. ذلك إن البضائع والخدمات التي كانت متوفرة للأغنياء فقط في السابق كانت تدريجياً تصبح في متناول الطبقة الوسطى. أما الآن يجري تناقص فعلي في الموارد والخدمات ذات الطابع الشعبي الواسع.. بينما النخبة تسبح في سوق السلع الفخمة والعجائبية. وهذا يحصل أبداً ليس لان المواطن الأمريكي قد أصبح مؤخّراً في مصاف الأثرياء. وهنا قد يتبادر للذهن سؤال عن العلاقة بين العولمة وبين انخفاض مستوى معيشة الأمريكي أو الروسي أو الألماني.. الجواب بسيط للغاية. عندما يتحول راس المال الوطني، في مثالنا الأمريكي أو الروسي أو الألماني، إلى راس مال عابر للحدود، حينها فانه يفقد بقايا ما يسمى "الوطنية"؛ ذلك أن الشركات الفوق ـ قومية، الأمريكية وغيرها، وبعد أن تتحرر من انتمائها لأية دولة، تبني مصانعها ومؤسساتها أينما يحلو لها بمجرد أن تتوفر اليد العاملة والمواد الخام الرخيصة. بالتالي فان الأمريكيين وغيرهم، الذين اعتادوا على أجور عمل ممتازة لقاء أعمالهم الرفيعة، سيفقدون أماكن العمل وبعدها الأجور العالية. كما انه، وهذا هو الأهم، لن يعود هناك مفهوم "خيانة الوطن" بالنسبة لذلك "المواطن العولمي“، طالما أن مفهوم الوطن بحدوده المعروفة سابقاً لم يعد له وجود بالنسبة لذاك "المواطن المعولم“. بل ينشأ لديه مفهوم جديد هو "البيت" الذي يبنيه أو يشتريه حيث يجد الراحة في لحظة ما. لهذا بالتحديد لجأ من يعرفون اليوم بـ "الروس الجدد" إلى نقل أموالهم، وسوف يقومون بنقل كل ما يستطيعون "تحصيله" في روسيا إلى الخارج. إن تحويل روسيا إلى مجرد مصدر مواد خام تابع للاقتصاد الغربي ـ هو في راس أولويات العولمة الحالية. وقد سبق واعد نفس المصير لبلادنا منذ أكثر من مائة عام من قبل الشيوعيين ـ الأمميين. لقد تم في حينه توظيف الطاقات الاقتصادية والعسكرية لروسيا من اجل إزالة النظام العالمي الإمبريالي القديم ذو الخصائص القومية وذلك من اجل بناء الأممية الشيوعية. لكن السلطة الروسية حينذاك تمكنت من قلب المعادلة وبعد أن تخلصت من أباطيل وأوهام الثورة العالمية قامت بنقل البلاد إلى مصاف الدول العظمى في العالم. الآن يحضّر نفس المصير لروسيا ـ امتداد من الثروات الطبيعية ملحق باقتصاد أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. ونحن نسير "بنجاح" في هذه الطريق وبسرعة باهرة جدي.ّ صعد عدد السكان حتى الـ 50 مليون نسمة "المقررة والمسموح لنا بها، ولذلك نقوم بتهديم كل ما لا يتعلق بتامين عمل القطاعات المعتمدة على التصدير؛ وهمنا المحافظة على المستوى المطلوب للغرب من إنتاج النفط والغاز. أما احتياجات الاقتصاد الروسي فلا تهم أحدا "بشكل جدي". بالنسبة لهم أوروبا الموحدة، أما نحن " حق الأقليات والقوميات في تقرير المصير " لدرجة الفظاعة والنفخ المتزايد في الصراع المفتعل بين ديانتين تاريخياً متعايشتين في روسيا: المسيحية والإسلام.
خلال شهري حزيران ـ تموز 2001 فقط هبطت أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية بنسبة 15% وبالنسبة للنفط الروسي 20%. إن تلك الواقعة يمكن أن تعني بداية النهاية "للعجيبة الاقتصادية" التي وكأنها تحققت في عهد النظام الجديد لروسيا، ذلك أن المقياس لحياة طبيعية في البلاد ـ الميزانية ـ لا تزال تبنى ليس على بعث وزيادة الإنتاج المحلي، وإنما فقط على ارتفاع أسعار النفط الخام والغاز المصدّر. فإذا ما انخفضت الأسعار ـ تهتز الميزانية: إن سياسة العولمة لن تسمح لروسيا أبداً بالنهوض والوقوف على قدميها. بالطبع طالما إن حكومتنا الوطنية ستستمر في نهجها الموالي للغرب وبشكل أعمى والذي سيؤدي لا محالة إلى الهلاك.
ملاحظة المــترجم : إن الأفكار الواردة أعلاه والمتعلقة بخطط إبقاء روسيا ضعيفة ومجرد مصدر للمواد الخام، تابع لاقتصاد أوروبا الغربية وأمريكا ـ يمكننا سحبها على باقي دول العالم الثالث وفي مقدمتها البلدان العربية. حيث يلتقي هنا المشروع الصهيوني مع المشاريع الاستعمارية عموماً، وإنْ بحلّة جديدة وغطاء ثقافي وسياسيي مختلف، وبالأخص المشروع الانكلو- ساكسوني للسيطرة على العالم.
العناصر:
1- كيف أتت العولمة وماهي ؟
2- النتائج المتوقع.
3- كيف يمكن التكيف مع العولمة ؟
ساهمت العولمة الاقتصادية في زيادة حدة المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية فى أنحاء العالم. وأدت الحواجز التجارية الجديدة، وتكرر الأزمات الاقتصادية والمالية، واتساع الفجوة بين الشمال والجنوب، إلى وضع الدول الآسيوية والإفريقية في موقف صعب مخافة التهميش.
العولمة:
تطور الفكر الاقتصادي في الحقبة الأخيرة من الزمان تطورا كبيراً، ليصل في نهاية القرن العشرين –بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ونهاية النظم الاشتراكية– إلى سيطرة فكر اقتصادي واحد على العالم ألا وهو الفكر الرأسمالي، فالعولمة باختصار هي تعميم النظام الرأسمالي على كل أرجاء المعمورة.
يقول الدكتور حسن حنفي -أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة-: "العولمة هي ليست فقط تغريب العالم، بمعنى أن ينتشر الغرب من المركز إلى المحيط، إلى الأطراف، وليست فقط أمركة، لأن أمريكا هي التي تتصدر العالم الآن باعتبارها القطب الوحيد الموجود، ولكنها أخطر من ذلك، فهي سيطرة اتجاه واحد، رأي واحد، فكر واحد، قانون واحد".
ويؤدي هذا الفكر إلى أنه لا سبيل إلى النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي إلا عبر تدويل الأعمال (أو العولمة ), وأنه لا مفر من ترك الأموال والمنتجات والأعمال والناس لتتحرك بحرية من دولة إلى أخرى دون قيود. وبناء على هذا الفكر تمت الموافقة على الاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة (GATT) وهي ما يطلق عليها (الجات)، وبمقتضى هذه الاتفاقية تمنح الحرية لتدفق السلع ورؤوس الأموال والأعمال بين الدول، وعلى الدول أن تخفض الرسوم الجمركية والضرائب والقيود على الأعمال والتجارة ورؤوس الأموال.
ولذا يعرِّف الدكتور إسماعيل صبري عبد الله العولمة فيقول أنها: (التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة ودون حاجة إلى إجراءات حكومية) (1).
النتائج المتوقعة للعولمة:
وبعد هذه المقدمة السريعة عن العولمة، نستطيع أن نتوقع مجموعة من النتائج التي ستأخذ مكانها في الواقع نتيجة لانتشار هذا الفكر الجديد وأبرز هذه النتائج هي:
1- اندماج أسواق العالم في حقول التجارة العالمية والاستثمارات المباشرة، وانهيار الحواجز السياسية والجغرافية أمام حركة التجارة العالمية، وخضوع جميع دول العالم لقوى السوق العالمية.
2- تبادل شامل بين مختلف أطراف الكون يتحول العالم بموجبه إلى محطة تفاعلية موحدة للإنسانية بأكملها (نموذج القرية الكونية التي تربط بين الناس والأماكن ملغية للمسافات ومقدمة للمعلومات بشكل شامل بلا قيود).
3- لن يكون هناك مستهلك محلي، بل سيقبل الناس على شراء سلع تم تصميمها في مكان، وتحصيل خاماتها من مكان آخر وتصنيعها في مكان ثالث، وتجميعها في مكان رابع، حتى تصل إلى المستهلك بشكل أرخص وأجود في مكان خامس.
4- الانخفاض الحاد في تكاليف النقل والاتصالات السلكية واللاسلكية.
5- تزايد دور التجارة الإلكترونية ونسبتها إلي إجمالي التجارة العالمية.
6- الدول النامية وشركاتها ستتلقى صدمات قوية من الدول والشركات المتقدمة، وهذه الأخيرة لديها الإمكانات الأفضل لإنتاج أرخص وأجود، وهي تزيح من طريقها الشركات الأقل كفاءة وهذا يقودنا إلى النقطة التالية وهي:
7- النمو غير المتكافئ والتركز في الثروة وازدياد التفاوت في توزيع الدخل:
سواء كان ذلك على مستوى الدول حيث ستزداد الدول الغنية غنى وستزداد الدول الفقيرة فقراً، أو كان على مستوى الأفراد داخل الدولة الواحدة، حيث ستتركز الأموال والثروات في أيدي فئة قليلة وتتآكل الطبقات الوسطى لحساب الطبقات الفقيرة.
8- تدخل الدول الأقوى في شئون الدول الأخرى, وهذا التدخل لن يتم من خلال وزارات الخارجية والدفاع ولكن من خلال وزارات الاقتصاد والتجارة.
9- سيطرة الشركات متعددة الجنسيات على التجارة العالمية ولن تستطيع الحكومات حماية شركاتها الوطنية.
كيف يمكن التكيف مع العولمة ؟
بعد هذه الآثار الخطيرة للعولمة، علينا نحن كعرب وكمسلمين أن نحسن التكيف مع التغيرات الواقعة في العالم.
وأول واجب على المنظمات العربية والإسلامية التي تود أن تعمل في ظل العولمة أن تتقبل فكرة المنافسة، وأن تعلم أن منظمات وشركات عالمية ستأتي في عقر دارها لمنافستها، وعليها أن تعلم أيضاً أن السوق المحلية سينفتح، أي أنها ستكون في منافسة مع كل شركات العالم.
وبالتالي فأهم واجب على أي منظمة هو بناء ميزة تنافسية تتميز بها على غيرها من المنظمات وتؤهلها للبقاء في السوق التنافسي والنجاح محلياً وعالمياً.
وعلى المنظمات أن تنفتح على الممارسات الفعالة في الإدارة وأن تكون مستعدة لاستخدام هذه الممارسات الحديثة لتتمكن من بناء ميزة تنافسية، ولذا يجب أن يكون المدير العالمي الجديد شديد التميز في امتلاك الصفات التالية:
1- النفاذ في عمق الرؤية المستقبلية والتخطيط الاستراتيجي والقدرة على اكتشاف نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات لتحديد التوجه الاستراتيجي الصحيح.
2- القدرة على الابتكار وتوليد الأفكار الجديدة.
3- القدرة على إدارة التغيير بكفاءة.
4- القدرة على التعامل مع المعلومات والتكنولوجيا الحديثة والتطوير الدائم.
5- القدرة على الاهتمام بالجودة الشاملة.
فإذا اتصف المدير بهذه الصفات صار مؤهلاً لسمة العالمية ونأمل له نجاحاً باهراً في ظل المنافسة العالمية الشديدة التي تزداد حدتها يوماً بعد يوم، فابدأ من اليوم بتزويد نفسك بالعلم والمهارة اللذان يؤهلانك للعالمية، وضع دائماً نصب عينيك قول الله تعالى "وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب"، وستصل بإذن الله إلى غايتك وإلى المشاركة في صناعة نهضة شاملة لأمتنا العربية والإسلامية.
وإلى أن نراك وأنت تحقق حلمك وحلم أمتك, لك منا أطيب التحية, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش:
(1) إسماعيل صبري عبد الله، الكوكبة الرأسمالية العالمية في مرحلة ما بعد الإمبريالية، مجلة الطريق العدد 4 تموز/ آب 1997 ص 47 .