الأحد، 3 مايو 2009

تعرف العولمة من وجهة النظر الشائعة والتقليدية ( وهي وجهة نظر تخضع للرؤية التقليدية للإقتصاد السياسي أي وجهة النظر القومية أي وجهة نظر الدولة الوطنية ) على أنها عملية تدويل تمتد على ثلاث مراحل :
أ‌- تدويل التبادل ( Internationalisation des échanges ) ، وهي ظاهرة قديمة تفطن لها المؤرخون ورجال الإقتصاد منذ القدم ولا تنحصر في الغرب بل إنها لم تعرف معناها الفعلي إلا بعد أن تشكلت حدود الدول الوطنية.
ب‌- تدويل الإنتاج (Internationalisation de la production ) الذي مكن الشركات عبر الوطنية من تحويل مصانعها للتمكن من بيع الإنتاج على عين المكان ، وهكذا اقتطعت هذه الشركات جغرافيا جديدة لا تتطابق بالضرورة مع الجغرافيا السياسية والطبيعية مما يجعل الفضاء الإقتصادي عبر الوطني لا يتطابق مع حدود الدول بل إن الحدود الأولى تحل تدريجيا محل الثانية
ت‌- العولمة المالية التي تتمثل في التدفقات المالية والنقدية التي تجتاح العالم بأكمله .

وتبدو العولمة استنادا إلى التعريف أعلاه كأنما هي نتاج إرادات الدول مشتركة وهو نتاج مسيطر عليه لأن هذا التحليل يستند إلى المنطق الليبرالي الذي يعتبر العولمة توسع ينطلق من الحدود ويبني نظاما دوليا لشبكة متداخلة تحتفظ فيه الدول بالمبادرة.

غير أن الدولي ليس العالمي ، والكلام عن اقتصاد عالمي يفرض سيطرة " كل " تكون فيه الإقتصادات الوطنية بالنسبة له فروع.

وهكذا يكون التحليل التقليدي للإقتصاد ينطلق من إطار الدولة وينمو بين الدول ، بينما يمكن أن ينطلق من التدفقات ( Les flux ) ويطرح الوسائل التي وضعتها الدول للسيطرة عليها.

وهكذا تبدو العولمة ( Mondialisation ) من وجهة النظر أعلاه " عملية تدويل للإقتصاديات والمجتمعات ناتجة عن نمو التبادل والإنتاج وتسمى أيضا " شمولية " وهو أقرب مصطلح يمكن أن يترجم كلمة ( Globalisation ) وهي تترجم كما سبقت الإشارة التوسع الجغرافي للتبادل ، واتساع مجال التبادل نفسه ليشمل إلى جانب البضائع والسلع ، الخدمات والملكية الفكرية والأعمال الفنية .
وقد لعبت الشركات متعددة الجنسية دورا رئيسيا في هذه العملية إلا أن عوامل أخرى لعبت دورا مهما ومنها التطور التكنولوجي في مجالي النقل والإتصالات.
وعلى الرغم من أن مفهوم العولمة استعمل في البداية للدلالة على عولمة الطلب إلا أنه تطور فيما بعد ليدل على العملية المعقدة التي يمكن أن نميز في تعريفها بين أربع مراحل :
1- اقترح مصطلح ( Globalisation ) من طرف تيودور ليفيت " Théodore Levitt " سنة 1983 ليشير إلى تلاقي الأسواق في العالم بأسره ، أي أن الشركات ذات البعد الشمولي تعمل بكلفة أقل عندما تعتبر أن العالم بأسره وحدة ( تبيع نفس الشئ بنفس الطريقة في جميع أنحاء العالم . في هذا المعنى تعرف العولمة بالنسبة للأسواق في مقابل النظرة التقليدية لدورة الإنتاج التي تعني بيع المنتجات التي انتهت صلاحيتها في الدول المتقدمة إلى الدول الأقل تقدما .
2- في سنة 1990 تم توسيع المفهوم من طرف " كينيشي أوهماي " ( Kenichi Ohmae ) ليشمل جملة سلسلة إنتاج القيمة التي تبدأ من البحث والهندسة إلى إنتاج البضائع ، ولكن أيضا الخدمات المالية ، ووفق هذا المفهوم تبدأ الشركة بالتصدير من قاعدتها الوطنية ثم توسع نقاط البيع في الخارج ثم تحول الإنتاج . تصبح العولمة بهذا المعنى نوعا من التصرف المندمج على الصعيد العالمي .
3- يستند المفهوم الثالث إلى الدور الذي أصبحت تلعبه الشركات متعددة الجنسية باعتبارها تنتج جزءا هاما من الإنتاج العالمي وتتحكم بالتالي في جزء من السياسات الإقتصادية . استنادا إلى ذلك تصبح " الشمولية " تعني العملية التي تبحث الشركات من خلالها إعادة صياغة قواعد اللعب التي وضعتها الدول ، لصالحها . وهكذا ينتقل مجال التصرف من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي .
4- في هذا المستوى تفقد الدول القومية السيطرة على التطورات الإقتصادية الوطنية بما ينذر بنهاية " الدولة – الأمة " أو " الدولة الوطنية " على حد تعبير كينيشي أوهماي سنة 1995 في كتابه الذي يحمل نفس العنوان ، ومنه يبدأ الإرتباط بين الإقتصادات فيما بينها بما ينهي الإتفاقات السياسية والظروف الوطنية بسبب تأثير الأحداث العالمية على الساحة الوطنية( [5])

غير أن مفهوم العولمة تطور اليوم وأصبح أكثر تعقيدا ، ذلك أن هذه العملية المعقدة التي تهدف إلى إعطاء بعد كوني للإنتاج والتوزيع ، أصبحت تشمل اليوم تسويق الوصفات الجاهزة في مجالات الفكر والسياسة على أنها النماذج المثلى .

ولم يعد هذا الترويج يقتصر على التبادل الحر الذي تتكافأ فيه الإرادات وإنما أصبح يعتمد الفرض بشتى الوسائل المتاحة بما في ذلك القوة.

فعولمة التبادل بطبيعتها غير متكافئة بين الدول المنتجة والمستهلكة ، المالكة للتكنولوجيا والساعية للحصول عليها كما أن التدفقات العالمية للبضائع والقيم أصبحت تتجاوز وحدة الفضاء الوطني بل إنها تخلق فضاءاتها التي تفرز مناطق من الفوضى والفقر .أما دور الدولة التعديلي فإنه أصبح غير مرغوب فيه باعتباره عرقلة لآليات التبادل الحر.

لكن الملاحظ أيضا أنه في الوقت الذي تتصاعد فيه حركة العولمة ، تتعالى الدعوات التأصلية بخلفياتها الوطنية والقومية والدينية والثقافية. ذلك أن العولمة ليست نتاجا لقوى مجهولة ، وإنما هي من ابتداع أناس من منطقة بعينها يملكون قيما بعينها ويقدمون أنفسهم على أنهم رسل الحداثة في معناها الواسع الذي يحل العقل مكانة متميزة ، وهي أيضا حداثة التقدم والديمقراطية والحرية.

فهل تتأقلم هذه العولمة بسهولة مع الفضاءات الحضارية التقليدية المختلفة وهل فعلا ستنمط السلوك والثقافات ؟ ذلك ما سنناقشه في الفصل الموالي الذي يعنى بالعلاقة بين الثقافة والعولمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق