"الوطن العربي يشهد أقل نشاط مناهض للعولمة رغم تأثر المنطقة العربية أكثر من غيرها بمشكلات العولمة" مجموعة "ناشطو مناهضة العولمة في سوريا" تكافح من أجل الحفاظ على القطاع العام وعلى دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي. حوار مع أحد مؤسسي المجموعة سلامة كيله عن المخاوف العربية والسورية من العولمة.كثيرا ما يقال إن الدول العربية ترفض العولمة. هل المخاوف من العولمة نابعة من الشعوب أم من الأنظمة العربية؟سلامة كيله: الأنظمة العربية اندمجت، منذ نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، بالعولمة حتى قبل تشكلها؛ وذلك من خلال اتباعها لشروط صندوق النقد الدولي. هذه الشروط هي المقدمة للعولمة لأن الأخيرة تضمنت في إطار السياسة الليبرالية الجديدة كل الشروط التي كان صندوق النقد الدولي يفرضها. فالعولمة ليست مشكلة للأنظمة العربية لأنها أصبحت أنظمة تابعة في إطار النمط الرأسمال العالمي.النقطة الأخرى هي أن الوطن العربي يشهد أقل نشاط مناهض للعولمة رغم تأثر المنطقة العربية أكثر من غيرها بمشكلات العولمة. الحركات الاجتماعية في أوروبا وفي مختلف بلدان العالم كانت أقوى في التعبير عن ذاتها في مواجهة العولمة. وهذا له علاقة بإشكاليات وضع الأنظمة الاستبدادية وتدمير الحركة السياسية وانهيارها وعجزها الذي جعل الحركة الاجتماعية ضعيفة.فالأنظمة لا ترفض العولمة، الشعوب ترفض العولمة لأن العولمة تؤدي إلى انهيار الوضع المعيشي للناس عبر انهيار اقتصادي شامل. وهذا ما يلاحظ الآن في مصر التي بدأت تتكيف، منذ سبعينات القرن الماضي، مع شروط صندوق النقد الدولي. الاقتصاد المصري يكاد يعاني من انهيار وربما يحدث انفجار حركة شعبية نتيجة الأزمات الاقتصادية العميقة بسبب التكيف مع الرأسمالية العالمية وسيطرة اقتصاد السوق والليبرالية الجديدة.النظرة للعولمة في أوروبا تختلف إذ لا يعتبرها الجميع سلبية. فما هو شكل العولمة الذي يثير مخاوفكم؟كيله: الشكل الأمريكي الذي يقوم على الدور العنيف، على القوة وعلى الحروب، وبالتالي تغيير الأنظمة وفرض أنظمة بديلة تابعة وملحقة بالولايات المتحدة. هذه هي العولمة التي بدأت تتحقق منذ انهيار المنظومة الاشتراكية في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي.وهي تعني إعادة إخضاع بلدان الجنوب عموماً ومنها الوطن العربي، وخصوصاً البلدان التي حاولت أن تحقق التقدم في مرحلة الحرب الباردة، لآليات السيطرة الرأسمالية. من هذا المنطلق انعكاسات العولمة على البلدان المتخلفة هي انعكاسات سلبية بالضرورة سواء عبر الحروب والتدمير أوحتى عبر الآليات الاقتصادية؛ لأن السيطرة الرأسمالية ستعني انهيار قطاعات اقتصادية كاملة في البلدان المتخلفة سواء في مجال الزراعة أو في الصناعات المحدودة التي تشأت خلال الخمسين سنة الماضية.من هذا المنطلق أعتقد أن من الضروري أن يكون هناك موقف جدي في مواجهة العولمة بهذا المعنى، بمعنى أنها السياسات التي تتبعها الرأسمالية في أميركا والبلدان الأوروبية واليابان من أجل فرض هيمنتها من جديد بشكل كامل على البلدان المتخلفة.أما فيما يتعلق بالتكنولوجيا فإنني اعتبرها مسألة تقدمية هامة لا يجوز أن تطرح على أنها مجال خلاف وهي بالتالي مسألة تفيد البشرية. وأعتقد أن الحركة المناهضة للعولمة تستفيد منها بشكل جدي من أجل تنظيم تشاط فعلي ضد العولمة.هل تعتقد أن هناك مخاوف خاصة في الدول العربية من فقدان الهوية بسبب العولمة؟كيله: لا، لا أعتقد. أنا لا أخاف على الهوية. الحركات الأصولية تخاف على فقدان الهوية لأنها تعتقد أن ثقافتها القديمة هي الثقافة الوحيدة التي يجب أن تسود. وهي تعتبر أن أي قيم ثقافية جديدة تدخل إلى المجتمع هي قيم غريبة يجب أن تنتهي. لهذا السبب تحارب الحركات الأصولية في العولمة الجانب الثقافي فقط ولا تحارب جانبها الاقتصادي أو لا ترى على الإطلاق الجانب الاقتصادي، الذي هو الجانب الأخطر، لأنها أيضا تقوم على دعم الرأسمال الخاص والملكية الخاصة واقتصاد السوق.وبالتالي هي موضوعيا تندمج في العولمة ولا تقف موقفاً جدياً ضدها، ولكنها تحارب الإطار الثقافي، وليس فقط الإطار الثقافي الأمريكي الاستهلاكي، الذي تأخذ الحركة المناهضة للعولمة موقفاً جدياً منه، بل تحارب مجمل الثقافة الرأسمالية الحديثة بمختلف تلاوينها. هذه الثقافة التي تُمثّل خطوة تقدمية هامة إلى الأمام ولكنها كذلك تنفي الفكر الأصولي لأنها تجاوزته.أنتم أسستم مجموعة تطلق على نفسها "ناشطو مناهضة العولمة في سوريا"، ما هي أهدافكم؟كيله: نحن نهدف لرفض آليات العولمة التي تُفرض عالمياً، نرفض السياسات الليبرالية الجديدة والحروب التي تقودها الرأسمالية سواء في الوطن العربي أو في مجمل العالم. من هذا المنطلق ندعم كل الحركات المجتمعية التي تواجه العولمة على الصعيد العالمي، مثل حركات البيئة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، مجموعات الضغط من أجل إلغاء ديون العالم الثالث.ولكن حددنا لنا دوراً في واقع سوريا انطلاقا من هذه الرؤية العامة يتمثل في مواجهة كل السياسات التي يتبعها النظام للتكيف مع العولمة القائمة، التي تتمثل بشكل أساسي في إلغاء القطاع العام أو إلغاء دور الدولة الاقتصادي – التراجع عن مجانية التعليم ودعم التعليم، التراجع عن دعم قطاع الصحة وقطاعات الضمان الاجتماعي، التراجع عن دور الدولة في الاستثمار. وبالتالي نسعى إلى كشف وتوضيح مشكلات هذه السياسات حالما تقع.من هذا المنطلق نحاول أن نلعب دوراً توضيحياً داخل سوريا يتعلق بالموقف من العولمة، خصوصاً أن عدم اندماج سوريا تماماً في العولمة كما حدث في مصر أو في الأردن أو في المغرب العربي يجعل فهم العولمة في سوريا أكثر التباساً من أي منطقة أخرى في الوطن العربي أو في العالم. لأن الناس لم "تلمس" العولمة ولم تلمس مشكلاتها، أي لم تلمس آثار إنفتاح السوق ودور الرأسمال الإمبريالي.وفي نفس الوقت هي تلمس مشكلات النظام الشمولي القائم الذي يشكل القطاع العام قاعدته الأساسية الاقتصادية. لهذا نجد قطاعاً من المثقفين يميل إلى قبول إلغاء دور الدولة الاقتصادي وتعميم الخصصة والاندماج في العولمة القائمة، انطلاقاً من أن هذا سيؤدي إلى تأسيس نظام ديموقراطي.ولكني أعتقد أن هذه المسألة ستقود إلى أزمات مجتمعية عميقة تالية تتعلق بانهيار الاقتصاد سواء في الزراعة أو في الصناعة أو في الخدمات وستؤدي إلى انخفاض هائل في مستوى المعيشة للناس وبالتالي إلى أزمات مجتمعية حقيقية.من هذا المنطلق نرفض سياسات إلغاء دور الدولة الاقتصادي ولكننا أيضا ننقد شكل سيطرة الفئة الحاكمة على مجمل القطاع العام وآليات نشاطه؛ لأن هذه السيطرة أدت و تؤدي إلى نهب واسع للقطاع العام وبالتالي تخريبه من الداخل. ولكن لا نعتقد أن هذه المشكلات، ورغم جديتها، يجب أن تدفعنا إلى المطالبة بإلغاء القطاع العام.كيف تنشطون في دولة مثل سوريا، أعني كيف تعبرون عن أفكاركم هذه؟ هل لديكم نشرة أو مجلة توزعونها؟كيله: بالطبع لدينا نشرة وصدر منها حتى الآن واحد وعشرون عدداً هي نشرة "البديل"، تحاول أن توضح إشكالية العولمة العالمية. لهذا كتبنا أكثر من موضوع لتوضيح أي عولمة نناهض، لأننا ووجهنا بملاحظات من بعض القوى السياسية فرضت علينا أن نجيب على هذا السؤال. أيضاً حاولنا أن نكشف أسباب الحروب التي تقوم بها الدولة الأمريكية سواء كانت في أفغانستان أو في العراق وربطها بالعولمة نفسها.هناك أيضاً موقع على الإنترنت تنشر فيه المجلة – النشرة – أولاً، ثم نحاول أن نختار مجموعة من موضوعات أساسية توضح معنى العولمة ومشكلاتها وانعكاسها على تجارب بلدان أخرى، مثلا على مصر أو على المغرب العربي. وسنحاول أن نعزز هذا الجانب لأن آليات العولمة واحدة أينما تحققت.من هذا المنطلق سنحاول أن نستمر في توضيح انعكاسات العولمة في البلدان المختلفة التي طبّقت فيها. الآن نحاول أن نطور الموقع من أجل أن يكون في إطار حواري: آراء، ملاحظات، نقاش حول العولمة. بالإضاقة إلى مشاركتنا العملية في النشاطات التي تقام في سوريا، وخصوصا المظاهرات التي كانت تقوم ضد الحرب على العراق، دعم الانتفاضة الفلسطينية، ومن ثمة الآن لطرح بعض القضايا المطلبية داخل سوريا التي تتعلق بحقوق الإنسان والديموقراطية بشكل أساسي. وأيضاً على صعيد القضايا الطلابية.لكن في سوريا كل المنتديات أو الجمعيات ممنوعة. فكيف تنشطون في دولة تمنع كل ظواهر المجتمع المدني؟ كيف توزعون نشرتكم؟ ألا تخافون؟كيله: نحن ننشر كل المقالات بأسمائنا الصريحة. نحن حركة اجتماعية تحاول أن تلعب دوراً في الإطار الاجتماعي لهدف محدد هو مناهضة العولمة وانعكاساتها في الإطار السوري. طبعا في سوريا ليس هناك سماح لنشاط علني للجمعيات والمنتديات والأحزاب عدا أحزاب الجبهة.ولكن هناك أمر واقع فُرض خلال الفترة الماضية سمح بأن تتشكل بعض الحركات المجتمعية وأن تستمر في لعب دور ما. والسلطة حتى الآن تحاول أن تغض النظر عن هذا النشاط، ولكنها أيضا تحاول أن تُشعِر دائما أن هذا النشاط يجب أن يكون محدودا وضيقا. وإلا تحاول أن تمارس الاعتقال. ولقد تشدّد هذا الميل في الفترة الأخيرة حيث باتت تُمنع اللقاءات والإجتماعات، وزادت من عمليات الإعتقال.هل حصلت مضايقات لمجموعتكم؟كيله: بالطبع. ففي مجال نشاطنا الطلابي اعتقل عدد من الطلاب. السلطة لا تسمح بأن يتطور هذا النشاط، ولهذا كلما شعرت أن هناك إمكانية لأن يتطور تلجأ للاعتقال والضغط والمتابعة.هل لديكم علاقات مع جمعيات مناهضة للعولمة في البلدان العربية الأخرى أوفي أوروبا، مثلا مع "أتاك"؟كيله: هناك بداية علاقات على الصعيدين العربي والعالمي. محاولات تنسيق عمل في الإطار العالمي مع "أتاك" ومع مجموعة منتدى إلغاء ديون العالم الثالث الذي نحن عضو فيه. وكانت لنا مشاركة في المنتدى الاجتماعي العالمي في بومباي بالهند سنة 2004 وأيضاً في بورتوأليغري سنة 2005، وسنصبح مداومين في حضور هذا المنتدى.أما على الصعيد العربي، فهناك محاولة لتشكيل منتدى اجتماعي عربي وشاركنا في اجتماع اللجنة التحضيرية بالقاهرة. كما شاركنا في التحضير والتأسيس للمنتدى الإجتماعي المتوسطي الذي إنطلق في حزيرا سنة 2005 من برشلونة في إسبانيا.هل تحصلون على دعم مالي من الخارج؟كيله: لا ليس هناك دعم مالي حتى الآن. هناك تبرعات من الاعضاء ولم نطرح على أنفسنا إلى الآن قبول الدعم المالي. النقطة الأخرى هي أننا لا تقبل أن نُموّل من جهات يمكن أن يكون لها شروط ويمكن أن تكون مع العولمة في الأساس.هناك ضغوط أمريكية على سوريا. كيف تتصرفون في هذه الحالة؟ هل تجدون أنفسكم في جهة واحدة مع "العدو"؟كيله: قانون محاسبة السورية لا يساعد أهدافنا لأنه يمكن أن يعطي للسلطة مبررا لاتهام أي قوة معارضة أو مختلفة معها بالعلاقة مع الخارج. بالتالي هو يخدم إلى حد ما السلطة. فالسلطة تستفيد منه للحفاظ على ذاتها، بعدم الميل لقبول الآخر والانفتاح.نعرف أن السياسة الأمريكية عموماً لا تخدم أي هدف من الأهداف التي نسعى إليها وهي تطرح قضايا ربما تتعلق أحيانا بحقوق الإنسان والديموقراطية والإصلاح كما طُرح مشروع الشرق الأوسط الكبير والذي وافقت عليه مجموعة الثمانية مع بعض التعديلات. نعتقد أن ليس هناك جدية حقيقية عند الأمريكان بتحقيق هذه المسائل وإنما تطرح من باب الديماغوجيا أو لتغطية سياسات أخرى وأهداف أخرى تتعلق بالهيمنة و السيطرة.هناك اتهامات أن المجموعات المناهضة للعولمة مثل "أتاك" لا تأخذ بعين الاعتبار القيم التي نشأت في الدول النامية، أي أنها جمعيات مركزية أوروبية. ما رأيك؟كيله: ربما يكون كذلك عند بعض المجموعات. مثلا "أتاك" تصر على أن تؤسس تنظيما عالميا له فروع في كل البلدان. نعتقد أن هذا خاطئ لأن وضع فرنسا أو وضع أوروبا بما يتعلق بالعولمة يختلف تماما مع الوضع في الجنوب. فأي استراتجية تُرسَم انطلاقاً من وضع أوروبا لن تكون مفيدة إلى حد كبير لدول الجنوب.من هذا المنطلق هناك بعض الإشكاليات في الموضوع لم نلمسها مباشرة حتى الآن لأن علاقتنا لا زالت في أولها. ولكن أعتقد أن هناك قدرا من التطور في الوعي العام في أوروبا بمشاكل الجنوب يمكن أن يُسهل عبر الحوار لبلورة استراتيجية عالمية موحدة تستوعب كل مشكلات الجنوب وكل مطالب الجنوب.
الأحد، 3 مايو 2009
: لفظة العولمة هي ترجمة للمصطلح الإنجليزي (Globalization) وبعضهم يترجمها بالكونية[2]، وبعضهم يترجمه بالكوكبة، وبعضهم بالشوملة[3] ، إلا إنه في الآونة الأخيرة أشتهر بين الباحثين مصطلح العولمة وأصبح هو أكثر الترجمات شيوعاً بين أهل الساسة والاقتصاد والإعلام . وتحليل الكلمة بالمعنى اللغوي يعني تعميم الشيء وإكسابه الصبغة العالمية وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله [4]. يقول "عبد الصبور شاهين " عضو مجمع اللغة العربية :" فأما العولمة مصدراً فقد جاءت توليداً من كلمة عالم ونفترض لها فعلاً هو عولم يعولم عولمة بطريقة التوليد القياسي ... وأما صيغة الفعللة التي تأتي منها العولمة فإنما تستعمل للتعبير عن مفهوم الأحداث والإضافة ، وهي مماثلة في هذه الوظيفة لصيغة التفعيل[5]" وكثرت الأقوال حول تعريف معنى العولمة حتى أنك لا تجد تعريفاً جامعاً مانعاً يحوي جميع التعريفات وذلك لغموض مفهوم العولمة ، ولاختلافات وجهة الباحثين فتجد للاقتصاديين تعريف ، وللسياسيين تعريف ، وللاجتماعيين تعريف وهكذا ، ويمكن تقسيم هذه التعريفات إلى ثلاثة أنواع : ظاهرة اقتصادية ، وهيمنة أمريكية ، وثورة تكنولوجية واجتماعية. النوع الأول : أن العولمة ظاهرة اقتصادية: عرفها الصندوق الدولي بأنها :" التعاون الاقتصادي المتنامي لمجموع دول العالم والذي يحتّمه ازدياد حجم التعامل بالسلع والخدمات وتنوعها عبر الحدود إضافة إلى رؤوس الأموال الدولية والانتشار المتسارع للتقنية في أرجاء العالم كله [6]" . وعرفها "روبنز ريكابيرو" الأمين العام لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والنمو ـ بأنها :"العملية التي تملي على المنتجين والمستثمرين التصرف وكأن الاقتصاد العالمي يتكون من سوق واحدة ومنطقة إنتاج واحدة مقسمة إلى مناطق اقتصادية وليس إلى اقتصاديات وطنية مرتبطة بعلاقات تجارية واستثمارية [7]". وقال محمد الأطرش :" تعني بشكل عام اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة ، وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافات والتقانة ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق ، وتاليا خضوع العالم لقوى السوق العالمية ، مما يؤدي إلى اختراق الحدود القومية وإلى الانحسار الكبير في سيادة الدولة ، وأن العنصر الأساسي في هذه الظاهرة هي الشركات الرأسمالية الضخمة متخطية القوميات.[8]" بهذا التعريف للعولمة ركز على أن العولمة تكون في النواحي التجارية والاقتصادية التي تجاوزت حدود الدولة مما يتضمن زوال سيادة الدولة ؛ حيث أن كل عامل من عوامل الإنتاج تقريباً ينتقل بدون جهد من إجراءات تصدير واستيراد أو حواجز جمركية ، فهي سوق عولمة واحدة لا أحد يسيطر عليها كشبكة الإنترنت العالمية . وعند صادق العظم هي :" حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها ، وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ[9]". التعريف الثاني : إنها الهيمنة الأمريكية : قال محمد الجابري :" العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلداً بعينه ، وهو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات ، على بلدان العالم أجمع [10]".فهي بهذا التعريف تكون العولمة دعوة إلى تبنى إيديولوجية معينة تعبر عن إرادة الهيمنة الأمريكية على العالم . ولعل المفكر الأمريكي " فرانسيس فوكوياما " صاحب كتاب " نهاية التاريخ "يعبر عن هذا الاتجاه فهو يرى أن نهاية الحرب الباردة تمثل المحصلة النهائية للمعركة الإيديولوجية التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية وهي الحقبة التي تم فيها هيمنة التكنولوجيا الأمريكية . التعريف الثالث : إنها ثورة تكنولوجية واجتماعية : يقول الاجتماعي "جيمس روزناو" في تعريفها قائلاً :" العلومة علاقة بين مستويات متعددة للتحليل : الاقتصاد، السياسة ، الثقافة ، الايديولوجيا ، وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج ، تداخل الصناعات عبر الحدود ، انتشار أسواق التويل ، تماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول ، نتائج الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة[11]".وعرفها بعضهم بأنها : "الاتجاه المتنامي الذي يصبح به العالم نسبياً كرة اجتماعية بلا حدود . أي أن الحدود الجغرافية لا يعتبر بها حيث يصبح العالم أكثر اتصالاً مما يجعل الحياة الاجتماعية متداخلة بين الأمم" . فهو يرى أن العولمة شكل جديد من أشكال النشاط ، فهي امتداد طبيعي لانسياب المعارف ويسر تداولها تم فيه الانتقال بشكل حاسم من الرأسمالية الصناعية إلى المفهوم ما بعد الصناعي للعلاقات الصناعية . وهناك من يعرفها بأنها:" زيادة درجة الارتباط المتبادل بين المجتمعات الإنسانية من خلال عمليات انتقال السلع ورؤوس الأموال وتقنيات الإنتاج والأشخاص والمعلومات".وعرفها إسماعيل صبري تعريفاً شاملاً فقال :" هي التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة ودون الحاجة إلى إجراءات حكومية .[12]" وبعد قراءة هذه التعريفات ، يمكن أن يقال في تعريف العولمة : أنها صياغة إيديولوجية للحضارة الغربية من فكر وثقافة واقتصاد وسياسة للسيطرة على العالم أجمع باستخدام الوسائل الإعلامية ، والشركات الرأسمالية الكبرى لتطبيق هذه الحضارة وتعميمها على العالم. الفرق بين العولمة والعالمية : إن التقابل بين العالمية والعولمة وإيجاد الفرق بينهما فيه نوع من الصعوبة وخصوصاً أن كلمة العولمة مأخوذة أصلاً من العالم ولهذا نجد بعض المفكرين يذهبون إلى أن العولمة والعالمية تعني معنى واحدا وليس بينهما فرق . ولكن الحقيقة أن هذين المصطلحين يختلفان في المعنى فهما مقابلة بين الشر والخير . العالمية : انفتاح على العالم ، واحتكاك بالثقافات العالمية مع الاحتفاظ بخصوصية الأمة وفكرها وثقافتها وقيمها ومبادئها . فالعالمية إثراء للفكر وتبادل للمعرفة مع الاعتراف المتبادل بالآخر دون فقدان الهوية الذاتية . وخاصية العالمية هي من خصائص الدين الإسلامي ، فهو دين يخاطب جميع البشر ، دين عالمي يصلح في كل زمان ومكان ، فهو لا يعرف الإقليمية أو القومية أو الجنس جاء لجميع الفئات والطبقات ، فلا تحده الحدود . ولهذا تجد الخطاب القرآني موجه للناس جميعا وليس لفئة خاصة فكم آية في القرآن تقول " يا أيها الناس" فمن ذلك قوله تعالى :" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " وقوله تعالى :"يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا " وقوله تعالى :" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة " إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها لفظة الناس وقد تجاوزت المأتيين آية ؛ بل إن الأنبياء السابقين عليهم صلوات الله وسلامه تنسب أقومهم إليهم " قوم نوح " " قوم صالح " وهكذا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يرد الخطاب القرآني بنسبة قومه إليه صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على عالمية رسالته صلى الله عليه وسلم فهو عالمي بطبعه، " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" ومن أسباب تخلفنا عن الركب الحضاري هو إقصاء الإسلام عن عالميته ، وعدم زجه في كثير من حقول الحياة بزعم المحافظة على قداسته وطهوريته، وهذا نوع من الصد والهجران للدين ، وعدم فهم لطبيعة هذا الدين والذي من طبيعته وكينونته التفاعل مع قضايا الناس والاندماج معهم في جميع شؤون الحياة ، وإيجاد الحلول لكل قضاياهم وهذا من كمال هذا الدين وإعجازه . فهو دين تفاعلي حضاري منذ نشأته . فمنذ فجر الرسالة النبوية نزل قوله تعالى :" ألم ، غلبت الروم في أدنى الأرض ، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " فيذكر الخطاب القرآني الكريم المتغيرات العالمية ، لإدراك أبعاد التوازنات بين القوتين العظميين في ذلك الزمان ، وذلك " أن المسلم يحمل رسالة عالمية ، ومن يحمل رسالة عالمية عليه أن يدرك الوقائع والأوضاع العالمية كلها وخاصة طبيعة وعلاقات القوى الكبرى المؤثرة في هذه الأوضاع.[13]" أما العولمة : فهي انسلاخ عن قيم ومبادئ وتقاليد وعادات الأمة وإلغاء شخصيتها وكيانها وذوبانها في الآخر. فالعولمة تنفذ من خلال رغبات الأفراد والجماعات بحيث تقضي على الخصوصيات تدريجياً من غير صراع إيديولوجي . فهي " تقوم على تكريس إيديولوجيا " الفردية المستسلمة" وهو اعتقاد المرء في أن حقيقة وجوده محصورة في فرديته ، وأن كل ما عداه أجنبي عنه لا يعنيه ، فتقوم بإلغاء كل ما هو جماعي ، ليبقى الإطار " العولمي" هو وحده الموجود . فهي تقوم بتكريس النزعة الأنانية وطمس الروح الجماعية ، وتعمل على تكريس الحياد وهو التحلل من كل التزام أو ارتباط بأية قضية ، وهي بهذا تقوم بوهم غياب الصراع الحضاري أي التطبيع والاستسلام لعملية الاستتباع الحضاري. وبالتالي يحدث فقدان الشعور بالانتماء لوطن أو أمة أو دولة ، مما يفقد الهوية الثقافية من كل محتوى ، فالعولمة عالم بدون دولة ، بدون أمة ، بدون وطن إنه عالم المؤسسات والشبكات العالمية .[14]" يقول عمرو عبد الكريم :" العولمة ليست مفهوماً مجرداً ؛ بل هو يتحول كلية إلى سياسات وإجراءات عملية ملموسة في كل المجالات السياسية والاقتصادية والإعلام ؛ بل وأخطر من ذلك كله هو أن العولمة أضحت عملية تطرح ـ في جوهرها ـ هيكلاً للقيم تتفاعل كثير من الاتجاهات والأوضاع على فرضه وتثبيته وقسر مختلف شعوب المعمورة على تبني تلك القيم وهيكلها ونظرتها للإنسان والكون والحياة [15]". نشأة العولمة : يذهب بعض الباحثين إلى أن العولمة ليست وليدة اليوم ليس لها علاقة بالماضي؛ بل هي عملية تاريخية قديمة مرت عبر الزمن بمراحل ترجع إلى بداية القرن الخامس عشر إلى زمن النهضة الأوروبية الحديثة حيث نشأت المجتمعات القومية .. فبدأت العولمة ببزوغ ظاهرة الدولة القومية عندما حلت الدولة محل الإقطاعية، مما زاد في توسيع نطاق السوق ليشمل الأمة بأسرها بعد أن كان محدوداً بحدود المقاطعة . وذهب بعض الباحثين إلى أن نشأة العولمة كان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين ، إلا أنها في السنوات الأخيرة شهدت تنامياً سريعاً . يقول إسماعيل صبري :" نشأت ظاهرة الكوكبة (العولمة) وتنامت في النصف الثاني من القرن العشرين ، وهي حالياً في أوج الحركة فلا يكاد يمر يوم واحد دون أن نسمع أو نقرأ عن اندماج شركات كبرى ، أو انتزاع شركة السيطرة على شركة ثانية ..[16]." إن الدعوة إلى إقامة حكومة عالمية، ونظام مالي عالمي موحد والتخلص من السيادة القومية بدأت في الخطاب السياسي الغربي منذ فترة طويلة فهذا هتلر يقول في خطابه أمام الرايخ الثالث :" سوف تستخدم الاشتراكية الدولية ثورتها لإقامة نظام عالمي جديد" وفي كتابات الطبقة المستنيرة عام 1780:" من الضروري أن نقيم إمبراطورية عالمية تحكم العالم كله " وجاء في إعلان حقوق الإنسان الثاني عام 1973 :" إننا نأسف بشدة لتقسيم الجنس البشري على أسس قومية . لقد وصلنا إلى نقطة تحول في التاريخ البشري حيث يكون أحسن اختيار هو تجاوز حدود السياسة القومية ، والتحرك نحو بناء نظام عالمي مبني على أساس إقامة حكومة فيدرالية تتخطى الحدود القومية " وقال بنيامين كريم أحد قادة حركة العصر الجديد عام 1982 :" ما هي الخطة ؟ أنها تشمل إحلال حكومة عالمية جديدة ، وديانة جديدة ." وكانت ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر قد اقترحت فكرة العولمة يرافقها في ذلك الرئيس الأمريكي السابق رولاند ريغن. ووجهة نظر تاتشر الاقتصادية ـ والتي عُرفت بالتاتشرية ـ انبثقت من الاستحواذ اليهودي للمال والعتاد … حيث أن فكرتها الاقتصادية والتي صاغها اليهودي جوزيف وهي تهدف بجعل الغني أغنى والفقير أفقر. ويذكر "بات روبرتسون[17] " إن النظام العالمي الجديد نظام ماسوني عالمي ، ويعلل على ما يقول : " بأن على وجهي الدولار مطبوع علامة الولايات المتحدة ، وهي عبارة عن النسر الأمريكي ممسكاً بغصن الزيتون رمز السلام بأحد مخالبه ، وفي المخلب الآخر يوجد 13 سهماً رمز الحرب . وعلى الوجه الآخر هرم غير كامل ، فوقه عين لها بريق المجد ، وتحت الهرم كلمات لاتينيه (Novus Order Seclorum) وهي شطرة من شعر فرجيل الشاعر الروماني القديم معناها " نظام جديد لكل العصور ". إن الذي صمم علامة الولايات المتحدة هذه هو تشارلز طومسون ، وهو عضو في النظام الماسوني وكان يعمل سكرتير للكونجرس . وهذا الهرم الناقص له معنى خاص بالنسبة للماسونيين ، وهو اليوم العلامة المميزة لأتباع حركة العصر الجديد ." وبعد تحليل ليس بطويل يصل المؤلف إلى وجود علاقة واضحة تربط بين النظام الماسوني والنظام العالمي الجديد . وقد جاء في مجلة المجتمع بحثاً عن منظمة "بلدربرج" والذي أسسها رجل الأعمال السويدي " جوزيف هـ. ريتنجر" ـ والذي سعى إلى تحقيق الوحدة الأوروبية ، وتكوين المجتمع الأطلسي ـ وهي منظمة سرية تختار أعضاءها بدقة متناهية من رجال السياسة والمال ، وتعقد اجتماعاتها في داخل ستار حديدي من السرية ، وفي حراسة المخابرات المركزية الأمريكية وبعض الدول الأوروبية ، ولا تسمح لأي عضو بالبوح بكلمة واحدة عن مناقشاتها ، ولا يحق للأعضاء الاعتراض أو تقديم أي اقتراح حول مواضيع الجلسات ، ويمول هذه المنظمة مؤسسة روكفلور اليهودية وبنك الملياردير اليهودي روتشيلد ، ومعظم الشخصيات في هذه المنظمة هم من الماسونيين الكبار ، وكثير من رؤساء الولايات المتحدة نجحوا في الانتخابات بعد عضويتهم في هذه المنظمة مثل : ريجان ، وكارتر ، وبوش ، وكلينتون ، وبعد اشتراك تاتشر في المنظمة بسنتين أصبحت رئيسة وزراء إنجلترا ، وكذلك بيلر أصبح رئيساً للوزراء بعد مضي أربع سنوات من اشتراكه في المنظمة ، وهي تسعى للسيطرة على العالم وإدارته وفق رؤيتها ، فقرارتها تؤثر على التجارة الدولية وعلى كثير من الحكومات [18]. فالعولمة نشأت مع العصر الحديث وتكونت بما أحدثه العلم من تطور في مجال الاتصالات وخصوصاً بعد بروز الإنترنت والتي أتاحت مجال واسع في التبادل المعرفي والمالي ، وارتباط نشأة الدولة القومية بالعولمة في العصر الحاضر فيه بعد عن مفهوم العولمة والذي يدعو أساساً إلى نهاية سيادة الدولة والقضاء على الحدود الجغرافية ، وتعميم مفهوم النظام الرأسمالي واعتماد الديموقراطية كنظام سياسي عام للدول. ولكن هناك أحداث ظهرت ساعدت على بلورة مفهوم العولمة وتكوينه بهذه الصيغة العالمية فانهيار سور برلين ، وسقوط الاشتراكية كقوة سياسية وإيديولوجية وتفرد القطب الأوحد بالسيطرة والتقدم التكنولوجي وزيادة الإنتاج ليشمل الأسواق العالمية أدت إلى تكوين هذا المفهوم . وخلاصة البحث أن مصطلح العولمة منشأه غربي، وطبيعته غربية، والقصد منه تعميم فكره وثقافته ومنتوجاته على العالم، فهي ليست نتيجة تفاعلات حضارات غربية وشرقية، قد انصهرت في بوتقة واحدة ؛ بل هي سيطرة قطب واحد على العالم ينشر فكره وثقافته مستخدمة قوة الرأسمالي الغربي لخدمة مصالحه. فهو من مورثات الصليبية فروح الاستيلاء على العالم هي أساسه ولبه ولكن بطريقة نموذجيه يرضى بها المستعمر ويهلل لها ؛ بل ويتخذ هذه الصليبية الغربية المتلفعة بلباس العولمة مطلب للتقدم . يقول "بات روبرتسون[19]":" لم يعد النظام العالمي الجديد مجرد نظرية ، لقد أصبح وكأنه إنجيل."
الفصل الأوَّل في التَّعريف والمفهـوم
العولمة هي الظَّاهرة التَّاريخيَّة لنهاية القرن العشرين أَو لبداية القرن الواحد والعشرين، مثلما كانت القوميَّة في الاقتصاد والسِّياسة الثَّقافة هي الظَّاهرة لنهاية القرن التَّاسع عشر وبداية القرن العشرين.
جورج طرابيشي(1)
فرقٌ كبيرٌ بين أَن يحار المرءُ في كيفيَّة الوصول إلى مدخلٍ لكلامه عن مشكلةٍ أَو أَمرٍ ما، وبين أَن يكون منبعُ الحيرة كثرةُ المداخل. وموضوع العولمة أَحد هذه الموضوعات الَّتي تثيرُ في النَّفس هذا النَّوعَ الأَخير من الحيرة؛ حيرة المداخل الكثيرة الَّتي يفرضُ كلٌّ منها إيقاعه وأَهمِّـيَّته؛ فهل نبدأُ من مدى مصداقيَّة هذا الاصطلاح ؟ أَم من ضرورة ظهوره ؟ أَم من مبرِّراته ودواعيه، ومن ثمَّ هل العولمة عَرَضٌ أَم جوهرٌ أَم ظاهرة ؟ أَم ترانا نستهلُّ بجذوره، وهي بحدِّ ذاتها إشكاليَّةٌ قد تستعصي على الحلِّ لشديدِ تباينُ وجهات النَّظر فيها، وانشعاب الآراء المفسِّرة لذلك.
سنتركُ ذلك كلَّه ونبدأُ بالدَّلالة اللغويَّة بوصف اللغة مفتاح الفهم على عمومه، والرََّصيد الدَّلاليَّ لأَيِّ مفردةٍ؛ أَكانت اصطلاحاً أَم مفهوماً، ومهما كان الميدان الَّذي تدور في فلكه. فما العولمة ؟
العولمة، لغةً، ومثلها القوننة والرَّودنة(2) والحوقلة(3) والقوقعة والهوجلةُ(4) ، على وزن فوعلة؛ من المصادر(5) القياسيَّة في اللغة العربيَّة، وبالتَّالي فهي مصطلحٌ سليمٌ من النَّحت والتَّركيب. والمصادر في اللغة العربيَّة، وفي كثيرٍ من اللغات غيرها، تختصُّ دون سواها من المفردات باتِّساع اتِّجاهاتها الدَّلاليَّة من حيث إمكان اتِّجاهها أَكثر من وجهةٍ، وربَّما في الآن أَو السِّياق المستخدمِ ذاته؛ فهي قد تنوب مناب الفعل فيكون معناها أَداء الفعل الَّذي مادَّتُهُ الجذر اللغويُّ الَّذي هو العالم هنا. وبذلك يكون معنى العولمة: جعل الشَّيء مادَّةِ العولمةِ عالميًّا أَو على مستوى العالم. وقد يكون المصدر مفعولاً مطلقاً فيكون بذلك مؤكِّداً لفعله ...والمصدر في الأَصل: اسمٌ دالٌّ على حَدَثٍ جارٍ على فعله.
وأَيـًّا كان الأَمرُ فإنَّ الدَّلالة اللغويَّة للعولمة لن تنأى عن كون الجذر والمصدر منه، وهي الإشارةُ إلى إسباغ صفة العالميَّة على موضوعٍ ما هو موضوع فعل العولمة. وبهذا المعنى تماماً قدَّمتها موسوعة الإدارة والأَعمال على أَنَّها "عمليَّة زيادة الالتحام في الحضارة العالميَّة"(6) . ولذلك عينه تعدَّدت الأَلفاظ الدَّالَّة على العولمة أَو الحالـَّة محلَّها مثل: الكوننة، والكونيَّة، والعالم القريَّة ....
والعولمة، بوصفها اصطلاحاً، لصيقةُ النَّشأةِ بالجانب أَو النَّشاط الاقتصاديِّ، بل لقد "استخدمَ هذا المصطلحُ أَساساً لوصف بعض الأَوجه الرَّئيسة للتَّحوُّل الحديث في النَّشاط الاقتصادي العالمي"(7) . وجلُّ الَّذين تحدَّثوا فيها لم يكونوا ليجدوا لها ميداناً آخر غير هذا الميدان. ولكنَّ هذا الاصطلاح، كمعظم غيره من الاصطلاحات يولدُ رخواً، هشَّ البنية، ليس له إلاَّ مهده، حتَّى إذا شبَّ ونما كَبُرَ على مهده وقرع كثيراً من الأَبواب، ودخل كثيراً من السَّاحات.
انطلاقاً من ذلك لا عجب في أَلاَّ يبتعد الاقتصاد عن مجمل تعريفات العولمة، فهي تشمل عند الجابري "مجال المال والتَّسويق والاتِّصال، كما أَنَّها من إفرازات المعلوماتيَّة"(8) . ويقدِّمها مصطفى حمدي على أَنَّها "حرُّيـَّةُ حركة السِّلع والخدمات والأَيدي العاملة ورأس المال والمعلومات عبر الحدود الوطنيَّة والإقليميَّة"(9) . حتَّى ألفين توفلر ـ Alvin Toffler الَّذي انفرد بمصلح خاصٍّ به للدَّلالة على العولمة هو: الموجة الثَّالثة فإنَّه جعل من أَهمَّ سمات هذه الموجة " المعرفة الَّتي تعمل على توفير الوقت والمكان؛ سواء في أَماكن التَّخزين أَو وسائل النَّقل، وفي سرعة التَّوزيع، والاتِّصال بين المنتج والمستهلك"(10) . وموسوعة الإدارة والأَعمال الَّتي عرَّفتها بأَنَّها "عمليَّة زيادة الالتحام في الحضارة العالميَّة" لم تجد تفسيراً لهذا الالتحام إلاَّ في زيادة الاعتماد الاقتصاديِّ المتبادل بين الدُّول واضمحلال دور المركزيَّة الاقتصاديَّة(11) .
ولكنَّ حرِّيـَّة الحركة الاقتصاديَّة هذه ليست بالأَمر الجديد أَو المستحدث فهي محور أَهداف منظَّمة التِّجارة العالميَّة الموسومة بـ الجات ـGATT وهي بدورها "مرتبطةٌ بوثيق الصِّلات وأَوشجها مع الجذر الفلسفي للمدرستين: التِّجاريَّةـ؛ الَّتي ظهرت مع بداية القرن الخامس عشر، واهتمَّت بكيفيِّة رفع الفائض في الميزان التِّجاريِّ. والطَّبيعيَّة ـ؛ الَّتي ظهرت في فرنسا في منتصف القرن الثَّامن عشر، وأَكَّدت على ترك النَّشاط الاقتصاديِّ حرًّا من كلِّ قيد وتدخُّل"(12) . على أَنَّه لا يمكننا إغفال أَنَّه "عندما باشرت الجات عملها فإنَّها جعلت البيئة التَّجاريَّة أَكثر انفتاحاً(13) ؛ لقد أَحدثت ثورةً في أُجور الشَّحن من خلال الحاويات ـ Containers، والتِّقنيات الجديدة الَّتي جعلت الاقتصاديَّات ممكنة على قواعد جغرافيَّة أَكثر اتِّساعاً"(14) . ولذلك كان من الحقِّ بمكان أَنَّ "موجة الحماية إلى جانب الحربين العالميتين وبطئ النَّقل البحري والاتِّصالات سبباً في تأخير بدء موجة العولمة إلى السِّتينات"(15) .
الحقُّ أَنَّ حرِّيـَّة الحركة الاقتصاديَّة؛ الرَّساميل والسِّلع والعمالة ... ليست هي كلُّ المبتغى الَّذي تشرئب إليه العولمة(16) ، ولذلك ذهب سمير أَمين في مطلع كتابه: إمبراطوريَّة الفوضى)) إلى أَنَّ العولمة مجرَّد تكثيفٍ للعلاقات الرَّأسماليَّة، إذ إنَّها "اجتازت عتبةً جديدةً، خلال السَّنوات الأَربعين المنصرمة، بكثافة المبادلات والمواصلات المتنوِّعة وبالقدرة الشَّاملة لوسائل التَّدمير"(17) . ولكنَّه تكثيفٌ نوعيٌّ يضعُ أَمامه وفي اعتباره أَنَّ النُّظم الاقتصاديَّة التَّقليديَّة؛ نظم الإنتاج والتَّسويق والتَّوظيف ... لم تعد تفي بغرض المرحلة القادمة، وانطلاقاً من هذا المعنى يذهب إلى أنَّه "يتوالد اليوم عهدٌ جديدٌ هو عهد السُّوق ـ Market الذي سيغدو محاولة جديدة لتوحيد العالم؛ أي العولمة"(18) . ومن هنا كان تعريف صادق جلال العظم للعولمة بأَنَّها " إعادةُ صياغة مجتمع الأَطراف وتشكيلها على صيغة المركز؛ بمعنى نقل الثِّقل من المركز إلى جميع الأَطراف في مسألة التَّبادل والتَّوزيع"(19) . ومن هذه الوجهة يصحُّ قول جورج طرابيشي بأَنَّ العولمة هي " الظَّاهرة التَّاريخيَّة لنهاية القرن العشرين أَو لبداية القرن الواحد والعشرين، مثلما كانت القوميَّة في الاقتصاد والسِّياسة الثَّقافة هي الظَّاهرة لنهاية القرن التَّاسع عشر وبداية القرن العشرين"(20) . وبهذا المعنى تقريباً ذهب علي حرب إلى أنَّ العولمة: "ليست شيئاً بسيطاً يمكن تعيينه ووصفه بدقَّة، بقدر ما هي جملة عمليَّات تاريخيَّة متداخلة تتجسَّد في تحريك المعلومات والأفكار والأموال والأشياء، وحتَّى الأشخاص، بصورة لا سابق لها من السُّهولة والآنيَّة والشُّموليَّة والدَّيمومة. إنَّها قفزة حضاريَّة تتمثَّلُ في تعميم التَّبادلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة، على نحوٍ يجعل العالم سوقاً للتَّبادل أو مجالاً للتَّداول أو أفقاً للتواصل"(21) . وليرى من ثم ـ من خلال هذا المعنى للعولمة ـ أنَّنا "نجد أنفسنا اليوم إزاء حدث كونيٍّ ندخل معه في العصر الكوكبيِّ بآفاقه ومجالاته، بثوراته وتحولاته. وهذا العصر تختصره أربعة عناوين كبرى لفتوحات وابتكارات وقدرات وتكتُّلات تؤثِّر في حياة البشر وتهيمن على مقدَّراتهم ومصائرهم هي: الاقتصاد الإلكتروني، والمجتمع الإعلامي، والمجال التلفزيوني أو البصري، والفضاء السبراني الذي يعني القدرة على السَّمع والرُّؤية و اللمس والمراقبة والتَّحكُّم من على بُعد"(22) . وبهذا المعنى الأخير كان قد ذهب برهان غليون إلى أنَّ العولمة "حركيَّة ـ Dynamics جديدة تبرز داخل دائرة العلاقات الدُّوليَّة من خلال تحقيق درجة عالية من الكثافة والسُّرعة في عمليَّة انتشار المعلومات والمكتسبات التِّقنيَّة والعلميَّة للحضارة"(23) .
وبهذا المعنى نستطيع الآن فهم توجُّهات كينشي أُوماي ـ Kenichi Ohmae رئيس ماك كينـزي ـ Mc Kinsey في طوكيو المسمَّى في الغرب بنبيِّ العولمة الَّذي أَلَّف كتاب "ثالوث القوَّة" عام 1985م وبيَّن فيه أَنَّه يجبُ على الشِّركات "أَن تبتني وجودها في مناطق التِّجارة الرَّئيسة في العالم وهي: أوربا وشمال أَمريكا واليابان، والمجازفة هي أَن تسير الشَّركات عكس هذا التِّـيَّار"(24) . ويعود في عام 1990م ليؤكِّد نظريَّته هذه في كتابه "عالم بلا حدود ـ Borderless World" ويقدِّم أنموذجاً حيًّا كمفتاحٍ لرسالته "من خلال النَّجاح العالمي الياباني لشركة هوندا ـ Honda الَّتي عاملت كلَّ زبائنها؛ سواء وراء البحار أو المحلِّيين بالأَهميَّة نفسها، والفعاليَّة ذاتها"(25) .
والحقُّ أنَّ فكرة عنوان كتاب أوماي "عالم بلا حدود" هي التي استطاعت أن تفرض ذاتها أخيراً على جلِّ المفكِّرين الذين استلهموا منها أهمَّ تعريف معبِّرٍ وبليغ وكثيف للعولمة التي أصبحت تعني من غير ما جدل " نهاية الجغرافية ". ولا غرو في ذلك إذ إنَّ هذا الاصطلاح: نهاية الجغرافية، قادر على احتواء مختلف التَّعريفات السَّابقة للعولمة، فنهاية الجغرافية هي العالم بلا حدود، هي انعدام كلِّ الحواجز؛ الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والعرقيَّة والثَّقافيَّة والعلميَّة والمعرفيَّة ... والجغرافيَّة.
ولكنَّ السُّؤال الذي يطرح ذاته بجدارة تامَّةٍ هو: ما مدى مصداقيَّة كلِّ هذه التَّعريفات؟ ومن ثمَّ إلام تشير ؟ أهي تعبِّر عن واقع أم عن متطلَّبات ؟
لا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ كلَّ التَّعريفات مرتبطة بجذور عقائديَّة وتعبِّر عن مناخات منفعيَّة تفوح منها رائحة هذه العقائديَّات المنبثقة منها بمعنى من المعاني ذلك أنَّ الجغرافيا لم تنته والتَّاريخ لم ينته ولن ينتهي، وبذلك فإنَّ هذه التَّعريفات لا تعبِّر عن واقعٍ أبداً وإنَّما تعبِّر عن مطالب ومتطلَّبات وتَحقُّق ذلك على أرض الواقع مرتهن بجملة معقَّدة من الشُّروط والمعايير والمقاييس والظُّروف لا يوجد ما يحول دون تحقُّقها عقليًّا ولكنَّ منطقيَّة الواقع من جهة وراهنيَّته من جهة ثانية لن تحتمل ذلك أبداً بالمعاني المرادة من العولمة والمطروحة فيها. وانطلاقاً من مثل هذا الأساس ذهب محمد عابد الجابري إلى تأكيد أنَّ العولمة ليست مجرَّد آليَّة من آليَّات التَّطوُّر الرَّأسمالي، بل هي أيضاً، وبالدَّرجة الأولى، [عقائديَّة] تعكس إرادة الهيمنة على العالم، والعولمة التي يجري الحديث عليها الآن نظام أو نسق ذو أبعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد. إنَّها نظامٌ عالميٌّ، أو يراد لها أن تكون كذلك، يشمل مجال المال والتَّسويق والمبادلات والاتِّصال الخ ... كما يشمل أيضاً مجال السِّياسة والفكر و[العقائديَّة] ... فالعولمة إلى جانب أنَّها تعكس مظهراً أساسيًّا من مظاهر التَّطوُّر الحضاري الذي يشهده عصرنا، هي أيضاً [عقائديَّة] تعبِّرُ بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم وأمركته(26) . وقد حددت الولايات المتَّحدة خصوصاً والعالم الغربي على العموم، الوسائل التي ستقوم من خلالها بتحقيق أغراضها في ذلك، ومن أهمها الضَّغط بالاقتصاد والإعلام لتفتيت القوميَّات الجامحة وخلخلة التَّوازنات الدولية بما يخدم مصالحها والتَّركيز على الحرب النَّفسيَّة من خلال الغزو الثَّقافي والإعلامي والتِّقاني لكسر أطواق الحدود القوميَّة وفتحها أمام الصَّولة الغربيَّة عموماً والأمريكيَّة خصوصاً.
العولمة هي الظَّاهرة التَّاريخيَّة لنهاية القرن العشرين أَو لبداية القرن الواحد والعشرين، مثلما كانت القوميَّة في الاقتصاد والسِّياسة الثَّقافة هي الظَّاهرة لنهاية القرن التَّاسع عشر وبداية القرن العشرين.
جورج طرابيشي(1)
فرقٌ كبيرٌ بين أَن يحار المرءُ في كيفيَّة الوصول إلى مدخلٍ لكلامه عن مشكلةٍ أَو أَمرٍ ما، وبين أَن يكون منبعُ الحيرة كثرةُ المداخل. وموضوع العولمة أَحد هذه الموضوعات الَّتي تثيرُ في النَّفس هذا النَّوعَ الأَخير من الحيرة؛ حيرة المداخل الكثيرة الَّتي يفرضُ كلٌّ منها إيقاعه وأَهمِّـيَّته؛ فهل نبدأُ من مدى مصداقيَّة هذا الاصطلاح ؟ أَم من ضرورة ظهوره ؟ أَم من مبرِّراته ودواعيه، ومن ثمَّ هل العولمة عَرَضٌ أَم جوهرٌ أَم ظاهرة ؟ أَم ترانا نستهلُّ بجذوره، وهي بحدِّ ذاتها إشكاليَّةٌ قد تستعصي على الحلِّ لشديدِ تباينُ وجهات النَّظر فيها، وانشعاب الآراء المفسِّرة لذلك.
سنتركُ ذلك كلَّه ونبدأُ بالدَّلالة اللغويَّة بوصف اللغة مفتاح الفهم على عمومه، والرََّصيد الدَّلاليَّ لأَيِّ مفردةٍ؛ أَكانت اصطلاحاً أَم مفهوماً، ومهما كان الميدان الَّذي تدور في فلكه. فما العولمة ؟
العولمة، لغةً، ومثلها القوننة والرَّودنة(2) والحوقلة(3) والقوقعة والهوجلةُ(4) ، على وزن فوعلة؛ من المصادر(5) القياسيَّة في اللغة العربيَّة، وبالتَّالي فهي مصطلحٌ سليمٌ من النَّحت والتَّركيب. والمصادر في اللغة العربيَّة، وفي كثيرٍ من اللغات غيرها، تختصُّ دون سواها من المفردات باتِّساع اتِّجاهاتها الدَّلاليَّة من حيث إمكان اتِّجاهها أَكثر من وجهةٍ، وربَّما في الآن أَو السِّياق المستخدمِ ذاته؛ فهي قد تنوب مناب الفعل فيكون معناها أَداء الفعل الَّذي مادَّتُهُ الجذر اللغويُّ الَّذي هو العالم هنا. وبذلك يكون معنى العولمة: جعل الشَّيء مادَّةِ العولمةِ عالميًّا أَو على مستوى العالم. وقد يكون المصدر مفعولاً مطلقاً فيكون بذلك مؤكِّداً لفعله ...والمصدر في الأَصل: اسمٌ دالٌّ على حَدَثٍ جارٍ على فعله.
وأَيـًّا كان الأَمرُ فإنَّ الدَّلالة اللغويَّة للعولمة لن تنأى عن كون الجذر والمصدر منه، وهي الإشارةُ إلى إسباغ صفة العالميَّة على موضوعٍ ما هو موضوع فعل العولمة. وبهذا المعنى تماماً قدَّمتها موسوعة الإدارة والأَعمال على أَنَّها "عمليَّة زيادة الالتحام في الحضارة العالميَّة"(6) . ولذلك عينه تعدَّدت الأَلفاظ الدَّالَّة على العولمة أَو الحالـَّة محلَّها مثل: الكوننة، والكونيَّة، والعالم القريَّة ....
والعولمة، بوصفها اصطلاحاً، لصيقةُ النَّشأةِ بالجانب أَو النَّشاط الاقتصاديِّ، بل لقد "استخدمَ هذا المصطلحُ أَساساً لوصف بعض الأَوجه الرَّئيسة للتَّحوُّل الحديث في النَّشاط الاقتصادي العالمي"(7) . وجلُّ الَّذين تحدَّثوا فيها لم يكونوا ليجدوا لها ميداناً آخر غير هذا الميدان. ولكنَّ هذا الاصطلاح، كمعظم غيره من الاصطلاحات يولدُ رخواً، هشَّ البنية، ليس له إلاَّ مهده، حتَّى إذا شبَّ ونما كَبُرَ على مهده وقرع كثيراً من الأَبواب، ودخل كثيراً من السَّاحات.
انطلاقاً من ذلك لا عجب في أَلاَّ يبتعد الاقتصاد عن مجمل تعريفات العولمة، فهي تشمل عند الجابري "مجال المال والتَّسويق والاتِّصال، كما أَنَّها من إفرازات المعلوماتيَّة"(8) . ويقدِّمها مصطفى حمدي على أَنَّها "حرُّيـَّةُ حركة السِّلع والخدمات والأَيدي العاملة ورأس المال والمعلومات عبر الحدود الوطنيَّة والإقليميَّة"(9) . حتَّى ألفين توفلر ـ Alvin Toffler الَّذي انفرد بمصلح خاصٍّ به للدَّلالة على العولمة هو: الموجة الثَّالثة فإنَّه جعل من أَهمَّ سمات هذه الموجة " المعرفة الَّتي تعمل على توفير الوقت والمكان؛ سواء في أَماكن التَّخزين أَو وسائل النَّقل، وفي سرعة التَّوزيع، والاتِّصال بين المنتج والمستهلك"(10) . وموسوعة الإدارة والأَعمال الَّتي عرَّفتها بأَنَّها "عمليَّة زيادة الالتحام في الحضارة العالميَّة" لم تجد تفسيراً لهذا الالتحام إلاَّ في زيادة الاعتماد الاقتصاديِّ المتبادل بين الدُّول واضمحلال دور المركزيَّة الاقتصاديَّة(11) .
ولكنَّ حرِّيـَّة الحركة الاقتصاديَّة هذه ليست بالأَمر الجديد أَو المستحدث فهي محور أَهداف منظَّمة التِّجارة العالميَّة الموسومة بـ الجات ـGATT وهي بدورها "مرتبطةٌ بوثيق الصِّلات وأَوشجها مع الجذر الفلسفي للمدرستين: التِّجاريَّةـ؛ الَّتي ظهرت مع بداية القرن الخامس عشر، واهتمَّت بكيفيِّة رفع الفائض في الميزان التِّجاريِّ. والطَّبيعيَّة ـ؛ الَّتي ظهرت في فرنسا في منتصف القرن الثَّامن عشر، وأَكَّدت على ترك النَّشاط الاقتصاديِّ حرًّا من كلِّ قيد وتدخُّل"(12) . على أَنَّه لا يمكننا إغفال أَنَّه "عندما باشرت الجات عملها فإنَّها جعلت البيئة التَّجاريَّة أَكثر انفتاحاً(13) ؛ لقد أَحدثت ثورةً في أُجور الشَّحن من خلال الحاويات ـ Containers، والتِّقنيات الجديدة الَّتي جعلت الاقتصاديَّات ممكنة على قواعد جغرافيَّة أَكثر اتِّساعاً"(14) . ولذلك كان من الحقِّ بمكان أَنَّ "موجة الحماية إلى جانب الحربين العالميتين وبطئ النَّقل البحري والاتِّصالات سبباً في تأخير بدء موجة العولمة إلى السِّتينات"(15) .
الحقُّ أَنَّ حرِّيـَّة الحركة الاقتصاديَّة؛ الرَّساميل والسِّلع والعمالة ... ليست هي كلُّ المبتغى الَّذي تشرئب إليه العولمة(16) ، ولذلك ذهب سمير أَمين في مطلع كتابه: إمبراطوريَّة الفوضى)) إلى أَنَّ العولمة مجرَّد تكثيفٍ للعلاقات الرَّأسماليَّة، إذ إنَّها "اجتازت عتبةً جديدةً، خلال السَّنوات الأَربعين المنصرمة، بكثافة المبادلات والمواصلات المتنوِّعة وبالقدرة الشَّاملة لوسائل التَّدمير"(17) . ولكنَّه تكثيفٌ نوعيٌّ يضعُ أَمامه وفي اعتباره أَنَّ النُّظم الاقتصاديَّة التَّقليديَّة؛ نظم الإنتاج والتَّسويق والتَّوظيف ... لم تعد تفي بغرض المرحلة القادمة، وانطلاقاً من هذا المعنى يذهب إلى أنَّه "يتوالد اليوم عهدٌ جديدٌ هو عهد السُّوق ـ Market الذي سيغدو محاولة جديدة لتوحيد العالم؛ أي العولمة"(18) . ومن هنا كان تعريف صادق جلال العظم للعولمة بأَنَّها " إعادةُ صياغة مجتمع الأَطراف وتشكيلها على صيغة المركز؛ بمعنى نقل الثِّقل من المركز إلى جميع الأَطراف في مسألة التَّبادل والتَّوزيع"(19) . ومن هذه الوجهة يصحُّ قول جورج طرابيشي بأَنَّ العولمة هي " الظَّاهرة التَّاريخيَّة لنهاية القرن العشرين أَو لبداية القرن الواحد والعشرين، مثلما كانت القوميَّة في الاقتصاد والسِّياسة الثَّقافة هي الظَّاهرة لنهاية القرن التَّاسع عشر وبداية القرن العشرين"(20) . وبهذا المعنى تقريباً ذهب علي حرب إلى أنَّ العولمة: "ليست شيئاً بسيطاً يمكن تعيينه ووصفه بدقَّة، بقدر ما هي جملة عمليَّات تاريخيَّة متداخلة تتجسَّد في تحريك المعلومات والأفكار والأموال والأشياء، وحتَّى الأشخاص، بصورة لا سابق لها من السُّهولة والآنيَّة والشُّموليَّة والدَّيمومة. إنَّها قفزة حضاريَّة تتمثَّلُ في تعميم التَّبادلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة، على نحوٍ يجعل العالم سوقاً للتَّبادل أو مجالاً للتَّداول أو أفقاً للتواصل"(21) . وليرى من ثم ـ من خلال هذا المعنى للعولمة ـ أنَّنا "نجد أنفسنا اليوم إزاء حدث كونيٍّ ندخل معه في العصر الكوكبيِّ بآفاقه ومجالاته، بثوراته وتحولاته. وهذا العصر تختصره أربعة عناوين كبرى لفتوحات وابتكارات وقدرات وتكتُّلات تؤثِّر في حياة البشر وتهيمن على مقدَّراتهم ومصائرهم هي: الاقتصاد الإلكتروني، والمجتمع الإعلامي، والمجال التلفزيوني أو البصري، والفضاء السبراني الذي يعني القدرة على السَّمع والرُّؤية و اللمس والمراقبة والتَّحكُّم من على بُعد"(22) . وبهذا المعنى الأخير كان قد ذهب برهان غليون إلى أنَّ العولمة "حركيَّة ـ Dynamics جديدة تبرز داخل دائرة العلاقات الدُّوليَّة من خلال تحقيق درجة عالية من الكثافة والسُّرعة في عمليَّة انتشار المعلومات والمكتسبات التِّقنيَّة والعلميَّة للحضارة"(23) .
وبهذا المعنى نستطيع الآن فهم توجُّهات كينشي أُوماي ـ Kenichi Ohmae رئيس ماك كينـزي ـ Mc Kinsey في طوكيو المسمَّى في الغرب بنبيِّ العولمة الَّذي أَلَّف كتاب "ثالوث القوَّة" عام 1985م وبيَّن فيه أَنَّه يجبُ على الشِّركات "أَن تبتني وجودها في مناطق التِّجارة الرَّئيسة في العالم وهي: أوربا وشمال أَمريكا واليابان، والمجازفة هي أَن تسير الشَّركات عكس هذا التِّـيَّار"(24) . ويعود في عام 1990م ليؤكِّد نظريَّته هذه في كتابه "عالم بلا حدود ـ Borderless World" ويقدِّم أنموذجاً حيًّا كمفتاحٍ لرسالته "من خلال النَّجاح العالمي الياباني لشركة هوندا ـ Honda الَّتي عاملت كلَّ زبائنها؛ سواء وراء البحار أو المحلِّيين بالأَهميَّة نفسها، والفعاليَّة ذاتها"(25) .
والحقُّ أنَّ فكرة عنوان كتاب أوماي "عالم بلا حدود" هي التي استطاعت أن تفرض ذاتها أخيراً على جلِّ المفكِّرين الذين استلهموا منها أهمَّ تعريف معبِّرٍ وبليغ وكثيف للعولمة التي أصبحت تعني من غير ما جدل " نهاية الجغرافية ". ولا غرو في ذلك إذ إنَّ هذا الاصطلاح: نهاية الجغرافية، قادر على احتواء مختلف التَّعريفات السَّابقة للعولمة، فنهاية الجغرافية هي العالم بلا حدود، هي انعدام كلِّ الحواجز؛ الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والعرقيَّة والثَّقافيَّة والعلميَّة والمعرفيَّة ... والجغرافيَّة.
ولكنَّ السُّؤال الذي يطرح ذاته بجدارة تامَّةٍ هو: ما مدى مصداقيَّة كلِّ هذه التَّعريفات؟ ومن ثمَّ إلام تشير ؟ أهي تعبِّر عن واقع أم عن متطلَّبات ؟
لا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ كلَّ التَّعريفات مرتبطة بجذور عقائديَّة وتعبِّر عن مناخات منفعيَّة تفوح منها رائحة هذه العقائديَّات المنبثقة منها بمعنى من المعاني ذلك أنَّ الجغرافيا لم تنته والتَّاريخ لم ينته ولن ينتهي، وبذلك فإنَّ هذه التَّعريفات لا تعبِّر عن واقعٍ أبداً وإنَّما تعبِّر عن مطالب ومتطلَّبات وتَحقُّق ذلك على أرض الواقع مرتهن بجملة معقَّدة من الشُّروط والمعايير والمقاييس والظُّروف لا يوجد ما يحول دون تحقُّقها عقليًّا ولكنَّ منطقيَّة الواقع من جهة وراهنيَّته من جهة ثانية لن تحتمل ذلك أبداً بالمعاني المرادة من العولمة والمطروحة فيها. وانطلاقاً من مثل هذا الأساس ذهب محمد عابد الجابري إلى تأكيد أنَّ العولمة ليست مجرَّد آليَّة من آليَّات التَّطوُّر الرَّأسمالي، بل هي أيضاً، وبالدَّرجة الأولى، [عقائديَّة] تعكس إرادة الهيمنة على العالم، والعولمة التي يجري الحديث عليها الآن نظام أو نسق ذو أبعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد. إنَّها نظامٌ عالميٌّ، أو يراد لها أن تكون كذلك، يشمل مجال المال والتَّسويق والمبادلات والاتِّصال الخ ... كما يشمل أيضاً مجال السِّياسة والفكر و[العقائديَّة] ... فالعولمة إلى جانب أنَّها تعكس مظهراً أساسيًّا من مظاهر التَّطوُّر الحضاري الذي يشهده عصرنا، هي أيضاً [عقائديَّة] تعبِّرُ بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم وأمركته(26) . وقد حددت الولايات المتَّحدة خصوصاً والعالم الغربي على العموم، الوسائل التي ستقوم من خلالها بتحقيق أغراضها في ذلك، ومن أهمها الضَّغط بالاقتصاد والإعلام لتفتيت القوميَّات الجامحة وخلخلة التَّوازنات الدولية بما يخدم مصالحها والتَّركيز على الحرب النَّفسيَّة من خلال الغزو الثَّقافي والإعلامي والتِّقاني لكسر أطواق الحدود القوميَّة وفتحها أمام الصَّولة الغربيَّة عموماً والأمريكيَّة خصوصاً.
العولمة تهدد شخصية الطفل المسلم لانها غزو ثقافي مباشر
Posted: 08-08-2005 , 11:25 GMT
اصدر مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية كتابا جديدا بعنوان الثقافة الإسلامية للطفل والعولمة للباحث فتحي درويش عشيبة .تسعي هذه الدراسة إلي تحديد معني العولمة لغوياً واصطلاحياً، وتبيين الآراء المختلفة حول آثارها السياسية والاقتصادية والثقافية، سواء الإيجابية أو السلبية، وخاصة ما يتعلق بثقافة الطفل المسلم.كما تعمل علي تحديد معني الثقافة الإسلامية، وتبيين عناصرها الدينية والأخلاقية والسياسية، وشرح الاعتبارات التربوية الواجب التزامها في عملية تثقيف الطفل.ويوضح المؤلف حسب صحيفة القدس العربي، دور الثقافة الإسلامية للطفل في مواجهة ما يعتبره آثاراً سلبية للعولمة، وخصوصاً في مواجهة بعض المقولات التي يروجها من يعتبرهم مؤيدي العولمة من قبيل إنكار الثقافات غير الغربية للعلم والتفكير العلمي، وعدم اهتمامها بحقوق الإنسان.ويبين المؤلف المعوقات التي تعترض عملية تعليم الثقافة الإسلامية للطفل، علي مستوي الأسرة والإعلام والنظام التعليمي، ويقدم توصيات مفصلة من أجل مواجهتها.وحدد الكتاب مفهوم العولمة وآثارها في ثلاث نقاط رئيسية هي:مفهوم العولمة واثار العولمة والمعوقات التي تواجه تعليم الثقافة الاسلامية للطفل.وعدد الكتاب آثار العولمة فقال:1 ـ هناك فريق يري أن للعولمة آثاراً إيجابية كثيرة يجب أن تغتنمها الدول، وأهمها:أ ـ الآثار السياسية: سقوط الشمولية والتسلط، والنزوع إلي الديمقراطية والتعددية السياسية، والتزام قيم واحدة تحكم الأداء السياسي وتصون حقوق الإنسان، وانتشار المنظمات الأهلية.ب ـ الآثار الاقتصادية: تعميق الاعتماد المتبادل والمبادلات التجارية الحرة بين الدول، ورفع مستوي جودة البضائع والخدمات، نظراً إلي حدة المنافسة في الأسواق العالمية.جـ ـ الآثار الثقافية: إغناء الثقافات المحلية وتنميتها من خلال تبادل المعرفة والخبرات، وانتشار الصناعات الثقافية، وتزايد دورها في ترويج المادة الثقافية، وتجاوز الحدود الإقليمية في سبيل تلبية رغبات الجماهير وملء الفراغ، وتحرير المواطن من قيود الإعلام الرسمي.2 ـ في المقابل، يري فريق آخر أن العولمة تنطوي علي العديد من السلبيات والمخاطر التي تهدد معظم الدول، وبخاصة الدول النامية، وأبرزها:أ ـ في المجال السياسي: تقلص دور الدولة، وتخليها عن كثير من سلطاتها لصالح مجموعة من القوي والمؤسسات الدولية، واتجاه الدول التي تتبني العولمة نحو تقييد الديمقراطية.ب ـ في المجال الاقتصادي: أدي فتح الحدود بين الدول الصناعية الكبري والدول النامية إلي تحول الأخيرة إلي سوق لتصريف بضائع الدول الكبري، مما عرض صناعاتها المحلية للخطر، والاستغناء عن كثير من العمال، وزيادة مشكلات البطالة والفقر والتطرف، واهتمام العالم بالاقتصاد أكثر من الأخلاق، وترويج مقولات مادية رأسمالية تسوغ اللامساواة.جـ ـ في المجال الثقافي: تحمل العولمة في ثناياها غزواً ثقافياً، حيث تعرض نمطاً قيمياً معيناً يعتبره أصحابه نهاية التاريخ"، ويمثل هذا نوعاً من الاستعلاء والعنصرية الثقافية.أما الآثار الثقافية والأخلاقية والاجتماعية للعولمة التي تهدد شخصية الطفل المسلم فهي:ـ اكتساب سلوكيات تنافي آداب الإسلام وقيمه، مثل التمرد علي الأسرة والنظام المدرسي، والتحرر الجنسي.ـ تكريس السلبية وقتل الإبداع لدي الأطفال، فيندفعون باتجاه اللامبالاة والهروب من الواقع.ـ تقليد سلوكيات منتشرة في الغرب، مثل لبس الجينز، وغناء أغاني الروك، والتدخين.ـ عزل الطفل عن المحيطين به، وتكريس نزعة استهلاكية تتناقض مع الإمكانات المادية لأغلبية أفراد المجتمع، وتخلق لدي الأطفال طموحات ورغبات واهتمامات غير واقعية.ـ تغريب الطفل المسلم عن دينه من خلال إنكار الغيبيات، وتفسير الظواهر الكونية مادياً.ـ يشعر الأطفال وهم يشاهدون بعض المواد الإعلامية الغربية، وبخاصة الأمريكية منها، بقدر كبير من الحرمان وهم يقـــارنون بين واقعهم المادي وبين الأجواء التي تقدمها.والخلاصة أن العولمة ظاهرة تهدف إلي خدمة الدول القوية، وتضر بمصلحة الدول النامية أكثر مما تنفعها، وتتوقف الاستفادة من مزاياها علي قوة المجتمع الذي يتعامل معها
Posted: 08-08-2005 , 11:25 GMT
اصدر مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية كتابا جديدا بعنوان الثقافة الإسلامية للطفل والعولمة للباحث فتحي درويش عشيبة .تسعي هذه الدراسة إلي تحديد معني العولمة لغوياً واصطلاحياً، وتبيين الآراء المختلفة حول آثارها السياسية والاقتصادية والثقافية، سواء الإيجابية أو السلبية، وخاصة ما يتعلق بثقافة الطفل المسلم.كما تعمل علي تحديد معني الثقافة الإسلامية، وتبيين عناصرها الدينية والأخلاقية والسياسية، وشرح الاعتبارات التربوية الواجب التزامها في عملية تثقيف الطفل.ويوضح المؤلف حسب صحيفة القدس العربي، دور الثقافة الإسلامية للطفل في مواجهة ما يعتبره آثاراً سلبية للعولمة، وخصوصاً في مواجهة بعض المقولات التي يروجها من يعتبرهم مؤيدي العولمة من قبيل إنكار الثقافات غير الغربية للعلم والتفكير العلمي، وعدم اهتمامها بحقوق الإنسان.ويبين المؤلف المعوقات التي تعترض عملية تعليم الثقافة الإسلامية للطفل، علي مستوي الأسرة والإعلام والنظام التعليمي، ويقدم توصيات مفصلة من أجل مواجهتها.وحدد الكتاب مفهوم العولمة وآثارها في ثلاث نقاط رئيسية هي:مفهوم العولمة واثار العولمة والمعوقات التي تواجه تعليم الثقافة الاسلامية للطفل.وعدد الكتاب آثار العولمة فقال:1 ـ هناك فريق يري أن للعولمة آثاراً إيجابية كثيرة يجب أن تغتنمها الدول، وأهمها:أ ـ الآثار السياسية: سقوط الشمولية والتسلط، والنزوع إلي الديمقراطية والتعددية السياسية، والتزام قيم واحدة تحكم الأداء السياسي وتصون حقوق الإنسان، وانتشار المنظمات الأهلية.ب ـ الآثار الاقتصادية: تعميق الاعتماد المتبادل والمبادلات التجارية الحرة بين الدول، ورفع مستوي جودة البضائع والخدمات، نظراً إلي حدة المنافسة في الأسواق العالمية.جـ ـ الآثار الثقافية: إغناء الثقافات المحلية وتنميتها من خلال تبادل المعرفة والخبرات، وانتشار الصناعات الثقافية، وتزايد دورها في ترويج المادة الثقافية، وتجاوز الحدود الإقليمية في سبيل تلبية رغبات الجماهير وملء الفراغ، وتحرير المواطن من قيود الإعلام الرسمي.2 ـ في المقابل، يري فريق آخر أن العولمة تنطوي علي العديد من السلبيات والمخاطر التي تهدد معظم الدول، وبخاصة الدول النامية، وأبرزها:أ ـ في المجال السياسي: تقلص دور الدولة، وتخليها عن كثير من سلطاتها لصالح مجموعة من القوي والمؤسسات الدولية، واتجاه الدول التي تتبني العولمة نحو تقييد الديمقراطية.ب ـ في المجال الاقتصادي: أدي فتح الحدود بين الدول الصناعية الكبري والدول النامية إلي تحول الأخيرة إلي سوق لتصريف بضائع الدول الكبري، مما عرض صناعاتها المحلية للخطر، والاستغناء عن كثير من العمال، وزيادة مشكلات البطالة والفقر والتطرف، واهتمام العالم بالاقتصاد أكثر من الأخلاق، وترويج مقولات مادية رأسمالية تسوغ اللامساواة.جـ ـ في المجال الثقافي: تحمل العولمة في ثناياها غزواً ثقافياً، حيث تعرض نمطاً قيمياً معيناً يعتبره أصحابه نهاية التاريخ"، ويمثل هذا نوعاً من الاستعلاء والعنصرية الثقافية.أما الآثار الثقافية والأخلاقية والاجتماعية للعولمة التي تهدد شخصية الطفل المسلم فهي:ـ اكتساب سلوكيات تنافي آداب الإسلام وقيمه، مثل التمرد علي الأسرة والنظام المدرسي، والتحرر الجنسي.ـ تكريس السلبية وقتل الإبداع لدي الأطفال، فيندفعون باتجاه اللامبالاة والهروب من الواقع.ـ تقليد سلوكيات منتشرة في الغرب، مثل لبس الجينز، وغناء أغاني الروك، والتدخين.ـ عزل الطفل عن المحيطين به، وتكريس نزعة استهلاكية تتناقض مع الإمكانات المادية لأغلبية أفراد المجتمع، وتخلق لدي الأطفال طموحات ورغبات واهتمامات غير واقعية.ـ تغريب الطفل المسلم عن دينه من خلال إنكار الغيبيات، وتفسير الظواهر الكونية مادياً.ـ يشعر الأطفال وهم يشاهدون بعض المواد الإعلامية الغربية، وبخاصة الأمريكية منها، بقدر كبير من الحرمان وهم يقـــارنون بين واقعهم المادي وبين الأجواء التي تقدمها.والخلاصة أن العولمة ظاهرة تهدف إلي خدمة الدول القوية، وتضر بمصلحة الدول النامية أكثر مما تنفعها، وتتوقف الاستفادة من مزاياها علي قوة المجتمع الذي يتعامل معها
اللهم صلي وسلم على اشرف الخلق وخاتم النبيين محمد واله الطيبين الطاهرينكثيرا ما نسمع عن العولمه ولكن ماهي العولمة ولماذا تدعو لها بعض الدول .السلام عليكم و رحمة الله و بركاته وبعد :للعولمة جوانب إيجابية و أخرى سلبية ، غير أن جوانبها السلبية قد تطغى على الجوانب الإيجابية منها بالنسبة إلى الأمة الإسلامية وكذلك الشعوب الضعيفة ، و ليس مقصود الممهدين للعولمة إلا محاولة تكميل السيطرة و الهيمنة الكاملة على ما تبقى حتى الآن بعيداً عن سيطرة القوى العظمى و هيمنتها .فرفع بعض القيود ، و تعميم بعض الإمكانيات هو شيء جيد طبعاً ، لكن يجب أن لا ننسى التأثيرات العلمانية و الثقافية و السياسية و الاقتصادية خاصة التي تستهدف البنية الاقتصادية للدول الإسلامية ، و ما تترتب عليها من أمور في المستقبل .فلعل المقصود الرئيسي هو غزو العالم بصورة عامة و العالم الإسلامي بصورة خاصة فكرياً و سياسياً و اقتصادياً ، و فرض هيمنة القوى الكبرى على الأمم و الشعوب و استضعافها و استعمارها من جديد تحت عناوين جديدة مغرية و برّاقة .لكن الملاحظ أن حقائق كثيرة ظهرت الى العلن و كشفت النقاب عن النوايا و الأهداف المأمولة التي كان دعاة العولمة قد خططوا لها فلم تَعُد تلكم الشعارات جذابة و لا رنانة كما كانت عليه في بداية الأمر .و من حيث المجموع فإن العولمة سلاح ذو حدين فيجب أن يكون موقفنا منها ـ كمسلمين ـ موقف الحذر الشديد ، رغم محاولة الاستفادة من إمكانياتها الإيجابية ، و هذا ما نرجوه للأمة الإسلامية إن شاء الله .
العولمهالتاريخ: 22-11-1428 هـالموضوع: بقلم : قيصر باقر 1-12-2007 أردت من خلال هذه الدراسة المستفيضة التي تتناول واقع مفهومية مصطلح العولمة أن يعي أبناء شعبنا المنكوب في العراق معناها من خلال المتابعة الشاملة لموضوع العولمة هذه والتي تصعب على الكثيرين فهمها أو شرح مقاصدها وبُعده عن الوقوف على غرضها ومعناها وتأثيراتها السياسية والأجتماعية والأقتصادية على المجتمعات وحتى المؤيدين للعولمة في كيفية صياغة حياة البشر في مختلف الأمم ، وفق القيم والمسالك والأنماط الغربية وإسهاما مني في تجلية هذا الأمر ، فقد بحثت هذا الموضوع ، من ناحية معنى العولمة بعامة والعولمة الأقتصادية بخاصة ، وأهدافها ، وأدواتها ، وأسباب بروزها ، وآثارها الاقتصادية في دولنا ، ومنظماتها التي تخطط لها وتطبقها على شكل سياسات في الدول النامية وهي : البنك الدولي للتعمير والتنمية ، وصندوق النقد الدولي ، ومنظمة التجارة العالمية
إن العولمة تحتوي على تصورات أجتهادية كلية لقضايا مصيرية تمس كينونة الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل وهي من أكثر المصطلحات المعاصرة إنتشارا وغموضا في الوقت نفسه ولذلك يتساءل كثير من الناس عن معنى هذا المصطلح ، هل هو جعل الأنظمة السياسية الموجودة في العالم على نمط سياسي واحد؟أم فتح الأسواق وإلغاء القيود والحواجز الأقتصادية بين الدول ؟أم تصدير ثقافة معينة ينبغي لها أن تسيطر وتفوق غيرها من الثقافات ؟أم أن العولمة هي كل ما تقدم ، بل وربما أكثر ؟ثم يأتي السؤال الأهم وهو : ما حكم العولمة في الدول الأسلامية ؟وما موقف دول الغرب والشرق الأوسط والنامية منها ؟للإجابة عن هذه الأسئلة ، عُقدت كثير من المؤتمرات والندوات والمحاضرات، بغية تجلية هذا الأمر وبيان الموقف منهإلا أن ما قدم فيها ـ وبخاصة العولمة الأقتصادية ـ كان يعاني أمرين : إما طرح الموضوع والتعمق فيه من الناحية الأقتصادية دون بيان الحكم الشرعي، أو طرح إسلامي عام لا يضع النقاط على الحروف ؛ فلا يبين الحكم الشرعي بعد دراسة الظاهرة دراسة وافية ، ولا يطرح حلولا تفصيلية وسياسات شرعية يمكن تطبيقها في الواقع.فمعظم الكتابات الدينية التي صدرت أتسمت بالعمومية وعدم التعمق ، حيث أشتملت على أحكام متعجلة وتوصيات أقرب إلى التمنيات منها إلى الحلول والسياسات ، باستثناء بعض الرسائل العلمية القليلة جدا التي تناولت أجزاء يسيرة من هذا الموضوع الضخم ولا شك أن تشعب الموضوع وتعقيده قد حال دون الوصول إلى المقصود .والعولمة " Globalization " لفظة إنجليزية حديثة المنشأ ، لا يجدي البحث عنها في المعاجم العربية ، بل لا بد من الرجوع إلى المعاجم والقواميس الأجنبية لمعرفة المقصود بها :وبالرجوع إلى بعض تلك المعاجم وجدت أن أصل اللفظة هو " Globe " ويعني : كرة، أو الكرة الأرضية ترمز إلى سلطة الملك وعدالته. والصفة منها وتعني : كروي ، أو عالمي ، أو شامل ، أما الاسم Globalization " " فيعني ما يلي :هي إكساب الشيء طابع العالمية ، وبخاصة جعل نطاق الشيء أو تطبيقه عالميا. وقد ترجمت اللفظة الإنجليزية " Globalization " إلى ثلاثة ألفاظ عربية هي: " العولمة " و"الكوكبة "و" الكونية .وأنتشرت اللفظة الأولى على لسان كثير من الكتاب والمفكرين، وإن كان بعضهم يعترف بأن لفظة " الكوكبة " أدق من لفظة " العولمة " ؛ لأن لفظة العولمة إشتقاق من "عالم " الذي يقابل " World " وليس من " الكوكب " الذي يقابل " Globe " .وقد أختلفت التعريفات الأصطلاحية للعولمة ، بأختلاف توجهات وأفكار من يعرَّفونها ، قبولا أو رفضا .فبينما يعرفها الغربيون بتعريفات تبدو محايدة وبراقة ، يعرفها بقية المفكرين في الدول النامية وبخاصة المسلمين منهم، بتعريفات تصورها على أنها خطر داهم يجب التنبه له ومواجهته .كما أن تعريفاتهم للعولمة قد اختلفت أيضا من شخص لآخر، بسبب تعقيدها وتشعبها وتعدد جوانبها، بل رأى بعضهم ، عدم جدوى البحث عن تعريف جامع مانع ، واكتفى بتحديد المعنى ومعرفة أبعاده ومضامينه.فمن الفريق الأول ـ وهو المؤيد للعولمة ـ عرفها صندوق النقد الدولي بأنها " تزايد الأعتماد الاقتصادي المتبادل بين بلدان العالم ، بوسائل منها: زيادة حجم وتنوع معاملات السلع والخدمات عبر الحدود والمتدفقات الرأسمالية الدولية ، وكذلك من خلال سرعة ومدى انتشار التكنولوجيا ".ويؤخذ على هذا التعريف ، أنه يحصر العولمة في المجال الاقتصادي ويهمل المجالين : السياسي ، والثقافي .كما أنه يصور العولمة وكأنها ظاهرة تلقائية تحدث عفويا بين الدول ، وليست خلفها جهات توجهها وتسيرها .واذا كان هذا هو المعنى المعلن للعولمة ، أما المعنى الخفي فشيء غير ذلك .ومن الفريق الآخر ـ وهو المعارض للعولمة ـ فقد عرفها الاقتصاديون بأنها " اندماج أسواق العالم في حقول التجارة، والاستثمارات المباشرة ، وانتقال الأموال ، والقوى العاملة، والثقافات ، والتقانة ، ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق، وتاليا خضوع العالم لقوى السوق العالمية ، مما يؤدي إلى اختراق الحدود القومية، وإلى الانحسار الكبير في سيادة الدولة، وأن العنصر الأساسي في هذه الظاهرة، هي الشركات الرأسمالية الضخمة متخطية القوميات ". وعرفها أحد الباحثين ذلك التوجه وتلك الدعوة التي تسعى إلى صياغة حياة البشر في مختلف الأمم ، وفق القيم والمسالك والأنماط الغربية ـ وبالدرجة الأولى الأمريكية ـ وتحطيم خصوصيات الأمم المختلفة ، إما بالترغيب أو بالترهيب ".ثم ذكر أن هذا التعريف تلتقي فيه عامة التعريفات وإن اختلفت صياغاتها، وأن هذه الفكرة ليست جديدة، فإشاعة قيم الغرب ، تدرجت من التغريب، إلى الحداثة ، ثم إلى العولمة، فليس في الأمر شيء جديد .والراجح في معنى العولمة هي نشر القيم الغربية الرأسمالية في العالم، وجعل العالم كله يسير وفقا للنموذج الغربي الرأسمالي في مجالات السياسة ، والأقتصاد، والثقافة وتوحيد أقصى العالم بأدناه عن طريق التكنالوجيا الحديثة والتي بدأت تدخل بيوتنا من خلال الكمبيوترات ..حيث بأمكان المرء التواصل مع العالم من بيتهأنواع العولمة والفرق بينها وبين العالمية : ربما كان من أسباب أختلاف تعريفات العولمة وصعوبتها ، تعدد أنواع العولمة نفسها .فمن الطبيعي أن تختلف تعريفات العولمة باختلاف أبعادها وتجلياتها ومؤشراتها على أرض الواقع، ويمكن حصر العناصر الأساسية لظاهرة العولمة الراهنة في مستويات ثلاثة متداخلة ومترابطة هي: الاقتصاد ، والسياسة، والثقافة .فالعولمة إذن تنقسم إلى أقسام متعددة أهمها ما يلي :1- العولمة السياسية وتعني نشر القيم الغربية في مجال السياسة بالدعوة إلى الأخذ بالديمقراطية الغربية بوصفها نظاما للحكم ، مع ما يتطلبه ذلك من تعددية سياسية ، وأحزاب ، وحرية في التعبير ، ومجالس تشريعية ، ودساتير ، ورأي عام ، وغير ذلكوهذا النوع وإن كان قد تغلغل في مجتمعاتنا منذ الأستعمار العسكري الغربي في القرنين الماضيين، إلا أنه تزايد وانتشر بعد إطلاق مصطلح العولمة إنتشارا ملحوظا .2- العولمة الفكرية والثقافية والاجتماعية وتعني نشر الفكر الغربي في النظر إلى الكون والحياة والإنسان ، بوسائل منها : الأدب الغربي الذي أخذ يتسلل إلى مجتمعاتنا باسم الحداثة ، وشبكة المعلومات الدولية والفضائيات التي أصبح انتشارها في العالم ممكنا ، بعد أن غزا الغرب الفضاء وثبت فيه عددا كبيرا من الأقمار الصناعية .3 - العولمة الاقتصادية وتعني نشر القيم الغربية في مجال الاقتصاد مثل: الحرية الاقتصادية ، وفتح الأسواق ، وترك الأسعار للعرض والطلب ، وعدم تدخل الحكومات في النشاط الاقتصادي ، وربط اقتصاد الدول النامية بالاقتصاد العالمي ، بحيث يصبح العالم مقسما إلى قسمين لا ثالث لهما ؛ قسم ينتج ويطور ويبدع ويصدر وهو الدول الغربية ، وقسم يستهلك ويستورد فقط وهو الدول النامية ومنها الدول الإسلامية.وهذا هو مغزى الاستعمار قديما وحديثا ، أعني امتصاص خيرات الشعوب الضعيفة وجعلها دائما تابعة للدول الصناعية الغربية .وقد لا أجافي الحقيقة إذا قلت إن الاقتصاد هو المحرك أو السبب الرئيس لكثير من الأحداث العالمية ، لأننا نعيش في عالم يقدس المال ويسعى إلى الحصول عليه بطرق شتى وفقا لمبدأ الإيطالي ميكيافيلي " الغاية تبرر الوسيلة " .ومع التسليم بخطر النوعين السابقين من العولمة : السياسية والثقافية ، فإن العولمة الاقتصادية هي أشد هذه الأنواع خطرا وهي المحرك الحقيقي للعالم الغربي. أما العالمية " Globalism " فقد عرفتها الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة الصادرة عن الندوات العالمية ، بانه مذهب يدعو إلى البحث عن الحقيقة الواحدة التي تكمن وراء المظاهر المتعددة في الخلافات المذهبية المتباينةويزعم أصحاب هذه الدعوة أن ذلك هو السبيل إلى جمع الناس على مذهب واحد، تزول معه خلافاتهم الدينية والعنصرية ، لإحلال السلام في العالم محل الخلاف.وبناء عليه ، يتبين أن العالمية تمثل مجالا واسعا من مجالات العولمة وهو المجال الثقافي وأن العلاقة بينهما علاقة جزء بكل وإن الفروق وحسب المفكرين والباحثين بين العولمة والعالمية بمعناها الجائز كثيرة منها ما يلي :1 - أن العولمة مسح للثقافات الأخر وإحلال الاختراق الثقافي محل الصراع الأيديولوجي .أما العالمية فهي تفتح على العالم وعلى الثقافات الأخر ، واحتفاظ بالخلاف الأيديولوجي 2 - أن العولمة إرادة للهيمنة ، فهي قمع وإقصاء للخصوصية واحتواء للعالم . أما العالمية فهي طموح إلى الارتفاع بالخصوصية إلى مستوى عالمي ، وانفتاح على ما هو عالمي وكوني .3 - أن طلب العالمية في المجال الثقافي ـ كما في غيره من المجالات ـ طموح مشروع ، ورغبة في الأخذ والعطاء ، وفي التعارف والحوار والتلاقح .أما العولمة فهي إرادة لاختراق الآخرين ، وسلبهم خصوصيتهم. لان العولمة تعني اجبار القوي للضعيف على فعل ما لا يريده .إن مياديين العولمة في النهاية واسعة والجدل في مسائلها عظيم والخلاف في صحة وصدق النتائج محل نظر وقبول ورد عند البعض في عصر إنتشار الأقمار الصناعية التي نردد الكثير من النظرات ونظن أنها معاصرة في حين أن جذورها قديمة قد أرتبطت بأسماء لامعة أعتنت بالفكر والعلم وبذلت جهوداً جبارة لتوفير إجابات تفصيلية لأسئلة مصيرية تمس الحياة والكون والبشرية وقد خطت التربية الإنسانية والفكرية عبر القرون الماضية خطوات واسعة ولكنها ما زالت لا تمتلك مذهباً فكريا كاملا أو مفهوما لما ينبغي أن نفعله لتحقيق السلامة والسعادة في زمن العولمة هذه كما يسمونها . حيث ظهرت مفاهيم شتى وأخرى أندثرت بعد أن ازدهرت وحاولت أن تُولِّد تياراً فكرياً يهيمن على حركة الحياة. ومن المفيد القول أن بعض تلك الأتجاهات والأفكار مهدت لغيرها وتتفق معها في بعض الجوانب في حين أن بعضها الاخر ، قد تتناقض مع غيرها جوهرياً إلا أنها في النهاية تحاول أن تضع نظرية متماسكة للتغيير وفقاً لمبادئ ترى جدواها. ولا شك أن العاملين في ميدان العولمة يحاولون نشر وتنمية الوعي الثقافي الجديد في العالم ويطلعون على هذه النظريات في عالم يعج بالفلسفات والعادات والتقاليد المختلفة ولا يمكن أن نفقه التحديات المعاصرة وأن نواجه الشبهات المتزايدة من غير أن نفهم مكونات ومحاور الأفكار والتوجهات والتجارب العالمية وفي الوقت نفسه نعرف مواطن الضعف وجوانب القوة فيها.
إن العولمة تحتوي على تصورات أجتهادية كلية لقضايا مصيرية تمس كينونة الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل وهي من أكثر المصطلحات المعاصرة إنتشارا وغموضا في الوقت نفسه ولذلك يتساءل كثير من الناس عن معنى هذا المصطلح ، هل هو جعل الأنظمة السياسية الموجودة في العالم على نمط سياسي واحد؟أم فتح الأسواق وإلغاء القيود والحواجز الأقتصادية بين الدول ؟أم تصدير ثقافة معينة ينبغي لها أن تسيطر وتفوق غيرها من الثقافات ؟أم أن العولمة هي كل ما تقدم ، بل وربما أكثر ؟ثم يأتي السؤال الأهم وهو : ما حكم العولمة في الدول الأسلامية ؟وما موقف دول الغرب والشرق الأوسط والنامية منها ؟للإجابة عن هذه الأسئلة ، عُقدت كثير من المؤتمرات والندوات والمحاضرات، بغية تجلية هذا الأمر وبيان الموقف منهإلا أن ما قدم فيها ـ وبخاصة العولمة الأقتصادية ـ كان يعاني أمرين : إما طرح الموضوع والتعمق فيه من الناحية الأقتصادية دون بيان الحكم الشرعي، أو طرح إسلامي عام لا يضع النقاط على الحروف ؛ فلا يبين الحكم الشرعي بعد دراسة الظاهرة دراسة وافية ، ولا يطرح حلولا تفصيلية وسياسات شرعية يمكن تطبيقها في الواقع.فمعظم الكتابات الدينية التي صدرت أتسمت بالعمومية وعدم التعمق ، حيث أشتملت على أحكام متعجلة وتوصيات أقرب إلى التمنيات منها إلى الحلول والسياسات ، باستثناء بعض الرسائل العلمية القليلة جدا التي تناولت أجزاء يسيرة من هذا الموضوع الضخم ولا شك أن تشعب الموضوع وتعقيده قد حال دون الوصول إلى المقصود .والعولمة " Globalization " لفظة إنجليزية حديثة المنشأ ، لا يجدي البحث عنها في المعاجم العربية ، بل لا بد من الرجوع إلى المعاجم والقواميس الأجنبية لمعرفة المقصود بها :وبالرجوع إلى بعض تلك المعاجم وجدت أن أصل اللفظة هو " Globe " ويعني : كرة، أو الكرة الأرضية ترمز إلى سلطة الملك وعدالته. والصفة منها وتعني : كروي ، أو عالمي ، أو شامل ، أما الاسم Globalization " " فيعني ما يلي :هي إكساب الشيء طابع العالمية ، وبخاصة جعل نطاق الشيء أو تطبيقه عالميا. وقد ترجمت اللفظة الإنجليزية " Globalization " إلى ثلاثة ألفاظ عربية هي: " العولمة " و"الكوكبة "و" الكونية .وأنتشرت اللفظة الأولى على لسان كثير من الكتاب والمفكرين، وإن كان بعضهم يعترف بأن لفظة " الكوكبة " أدق من لفظة " العولمة " ؛ لأن لفظة العولمة إشتقاق من "عالم " الذي يقابل " World " وليس من " الكوكب " الذي يقابل " Globe " .وقد أختلفت التعريفات الأصطلاحية للعولمة ، بأختلاف توجهات وأفكار من يعرَّفونها ، قبولا أو رفضا .فبينما يعرفها الغربيون بتعريفات تبدو محايدة وبراقة ، يعرفها بقية المفكرين في الدول النامية وبخاصة المسلمين منهم، بتعريفات تصورها على أنها خطر داهم يجب التنبه له ومواجهته .كما أن تعريفاتهم للعولمة قد اختلفت أيضا من شخص لآخر، بسبب تعقيدها وتشعبها وتعدد جوانبها، بل رأى بعضهم ، عدم جدوى البحث عن تعريف جامع مانع ، واكتفى بتحديد المعنى ومعرفة أبعاده ومضامينه.فمن الفريق الأول ـ وهو المؤيد للعولمة ـ عرفها صندوق النقد الدولي بأنها " تزايد الأعتماد الاقتصادي المتبادل بين بلدان العالم ، بوسائل منها: زيادة حجم وتنوع معاملات السلع والخدمات عبر الحدود والمتدفقات الرأسمالية الدولية ، وكذلك من خلال سرعة ومدى انتشار التكنولوجيا ".ويؤخذ على هذا التعريف ، أنه يحصر العولمة في المجال الاقتصادي ويهمل المجالين : السياسي ، والثقافي .كما أنه يصور العولمة وكأنها ظاهرة تلقائية تحدث عفويا بين الدول ، وليست خلفها جهات توجهها وتسيرها .واذا كان هذا هو المعنى المعلن للعولمة ، أما المعنى الخفي فشيء غير ذلك .ومن الفريق الآخر ـ وهو المعارض للعولمة ـ فقد عرفها الاقتصاديون بأنها " اندماج أسواق العالم في حقول التجارة، والاستثمارات المباشرة ، وانتقال الأموال ، والقوى العاملة، والثقافات ، والتقانة ، ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق، وتاليا خضوع العالم لقوى السوق العالمية ، مما يؤدي إلى اختراق الحدود القومية، وإلى الانحسار الكبير في سيادة الدولة، وأن العنصر الأساسي في هذه الظاهرة، هي الشركات الرأسمالية الضخمة متخطية القوميات ". وعرفها أحد الباحثين ذلك التوجه وتلك الدعوة التي تسعى إلى صياغة حياة البشر في مختلف الأمم ، وفق القيم والمسالك والأنماط الغربية ـ وبالدرجة الأولى الأمريكية ـ وتحطيم خصوصيات الأمم المختلفة ، إما بالترغيب أو بالترهيب ".ثم ذكر أن هذا التعريف تلتقي فيه عامة التعريفات وإن اختلفت صياغاتها، وأن هذه الفكرة ليست جديدة، فإشاعة قيم الغرب ، تدرجت من التغريب، إلى الحداثة ، ثم إلى العولمة، فليس في الأمر شيء جديد .والراجح في معنى العولمة هي نشر القيم الغربية الرأسمالية في العالم، وجعل العالم كله يسير وفقا للنموذج الغربي الرأسمالي في مجالات السياسة ، والأقتصاد، والثقافة وتوحيد أقصى العالم بأدناه عن طريق التكنالوجيا الحديثة والتي بدأت تدخل بيوتنا من خلال الكمبيوترات ..حيث بأمكان المرء التواصل مع العالم من بيتهأنواع العولمة والفرق بينها وبين العالمية : ربما كان من أسباب أختلاف تعريفات العولمة وصعوبتها ، تعدد أنواع العولمة نفسها .فمن الطبيعي أن تختلف تعريفات العولمة باختلاف أبعادها وتجلياتها ومؤشراتها على أرض الواقع، ويمكن حصر العناصر الأساسية لظاهرة العولمة الراهنة في مستويات ثلاثة متداخلة ومترابطة هي: الاقتصاد ، والسياسة، والثقافة .فالعولمة إذن تنقسم إلى أقسام متعددة أهمها ما يلي :1- العولمة السياسية وتعني نشر القيم الغربية في مجال السياسة بالدعوة إلى الأخذ بالديمقراطية الغربية بوصفها نظاما للحكم ، مع ما يتطلبه ذلك من تعددية سياسية ، وأحزاب ، وحرية في التعبير ، ومجالس تشريعية ، ودساتير ، ورأي عام ، وغير ذلكوهذا النوع وإن كان قد تغلغل في مجتمعاتنا منذ الأستعمار العسكري الغربي في القرنين الماضيين، إلا أنه تزايد وانتشر بعد إطلاق مصطلح العولمة إنتشارا ملحوظا .2- العولمة الفكرية والثقافية والاجتماعية وتعني نشر الفكر الغربي في النظر إلى الكون والحياة والإنسان ، بوسائل منها : الأدب الغربي الذي أخذ يتسلل إلى مجتمعاتنا باسم الحداثة ، وشبكة المعلومات الدولية والفضائيات التي أصبح انتشارها في العالم ممكنا ، بعد أن غزا الغرب الفضاء وثبت فيه عددا كبيرا من الأقمار الصناعية .3 - العولمة الاقتصادية وتعني نشر القيم الغربية في مجال الاقتصاد مثل: الحرية الاقتصادية ، وفتح الأسواق ، وترك الأسعار للعرض والطلب ، وعدم تدخل الحكومات في النشاط الاقتصادي ، وربط اقتصاد الدول النامية بالاقتصاد العالمي ، بحيث يصبح العالم مقسما إلى قسمين لا ثالث لهما ؛ قسم ينتج ويطور ويبدع ويصدر وهو الدول الغربية ، وقسم يستهلك ويستورد فقط وهو الدول النامية ومنها الدول الإسلامية.وهذا هو مغزى الاستعمار قديما وحديثا ، أعني امتصاص خيرات الشعوب الضعيفة وجعلها دائما تابعة للدول الصناعية الغربية .وقد لا أجافي الحقيقة إذا قلت إن الاقتصاد هو المحرك أو السبب الرئيس لكثير من الأحداث العالمية ، لأننا نعيش في عالم يقدس المال ويسعى إلى الحصول عليه بطرق شتى وفقا لمبدأ الإيطالي ميكيافيلي " الغاية تبرر الوسيلة " .ومع التسليم بخطر النوعين السابقين من العولمة : السياسية والثقافية ، فإن العولمة الاقتصادية هي أشد هذه الأنواع خطرا وهي المحرك الحقيقي للعالم الغربي. أما العالمية " Globalism " فقد عرفتها الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة الصادرة عن الندوات العالمية ، بانه مذهب يدعو إلى البحث عن الحقيقة الواحدة التي تكمن وراء المظاهر المتعددة في الخلافات المذهبية المتباينةويزعم أصحاب هذه الدعوة أن ذلك هو السبيل إلى جمع الناس على مذهب واحد، تزول معه خلافاتهم الدينية والعنصرية ، لإحلال السلام في العالم محل الخلاف.وبناء عليه ، يتبين أن العالمية تمثل مجالا واسعا من مجالات العولمة وهو المجال الثقافي وأن العلاقة بينهما علاقة جزء بكل وإن الفروق وحسب المفكرين والباحثين بين العولمة والعالمية بمعناها الجائز كثيرة منها ما يلي :1 - أن العولمة مسح للثقافات الأخر وإحلال الاختراق الثقافي محل الصراع الأيديولوجي .أما العالمية فهي تفتح على العالم وعلى الثقافات الأخر ، واحتفاظ بالخلاف الأيديولوجي 2 - أن العولمة إرادة للهيمنة ، فهي قمع وإقصاء للخصوصية واحتواء للعالم . أما العالمية فهي طموح إلى الارتفاع بالخصوصية إلى مستوى عالمي ، وانفتاح على ما هو عالمي وكوني .3 - أن طلب العالمية في المجال الثقافي ـ كما في غيره من المجالات ـ طموح مشروع ، ورغبة في الأخذ والعطاء ، وفي التعارف والحوار والتلاقح .أما العولمة فهي إرادة لاختراق الآخرين ، وسلبهم خصوصيتهم. لان العولمة تعني اجبار القوي للضعيف على فعل ما لا يريده .إن مياديين العولمة في النهاية واسعة والجدل في مسائلها عظيم والخلاف في صحة وصدق النتائج محل نظر وقبول ورد عند البعض في عصر إنتشار الأقمار الصناعية التي نردد الكثير من النظرات ونظن أنها معاصرة في حين أن جذورها قديمة قد أرتبطت بأسماء لامعة أعتنت بالفكر والعلم وبذلت جهوداً جبارة لتوفير إجابات تفصيلية لأسئلة مصيرية تمس الحياة والكون والبشرية وقد خطت التربية الإنسانية والفكرية عبر القرون الماضية خطوات واسعة ولكنها ما زالت لا تمتلك مذهباً فكريا كاملا أو مفهوما لما ينبغي أن نفعله لتحقيق السلامة والسعادة في زمن العولمة هذه كما يسمونها . حيث ظهرت مفاهيم شتى وأخرى أندثرت بعد أن ازدهرت وحاولت أن تُولِّد تياراً فكرياً يهيمن على حركة الحياة. ومن المفيد القول أن بعض تلك الأتجاهات والأفكار مهدت لغيرها وتتفق معها في بعض الجوانب في حين أن بعضها الاخر ، قد تتناقض مع غيرها جوهرياً إلا أنها في النهاية تحاول أن تضع نظرية متماسكة للتغيير وفقاً لمبادئ ترى جدواها. ولا شك أن العاملين في ميدان العولمة يحاولون نشر وتنمية الوعي الثقافي الجديد في العالم ويطلعون على هذه النظريات في عالم يعج بالفلسفات والعادات والتقاليد المختلفة ولا يمكن أن نفقه التحديات المعاصرة وأن نواجه الشبهات المتزايدة من غير أن نفهم مكونات ومحاور الأفكار والتوجهات والتجارب العالمية وفي الوقت نفسه نعرف مواطن الضعف وجوانب القوة فيها.
العولمة: الليبرالية الكونية والفكر الواحد
الكتاب: " العولمة: الاتصال/العالم، تطرف الليبرالية الكونية والفكر الواحد"
المؤلف: يحيى اليحياوي
249 ص، البوكيلي للطباعة والنشر، القنيطرة 1998
صدر عن دار البوكيلي للطباعة والنشر مؤخرا كتاب قيم، للباحث المغربي يحيى اليحياوي باللغة الفرنسية، تحت عنوان "العولمة: الاتصال/العالم، تطرف الليبرالية الكونية والفكر الواحد".
ونظرا لطبيعته الظرفية التي طغى عليها مصطلح العولمة ليصبح العملة الرائجة، وكذلك لما يتضمنه الكتاب من معطيات هامة وتحاليل معمقة، فقد ارتأينا تقديمه للقارئ، على أمل أن نستضيف الباحث اليحياوي في عدد قادم ليغني الحوار ويجيب عن العديد من الأسئلة المعلقة بخصوص العولمة.
ما معنى العولمة؟ ما هي المدلولات الخفية التي تختزنها دون أن تبوح بها؟ هل هناك استراتيجية مواجهة أو استعداد قبلي من لدن الدول السائرة في طريق النمو لمواجهة هذا المد الجارف؟
الحقيقة أن المرء سيصاب بالذهول والانهيار لهذا التراكم التساؤلي. فالكل يتحدث بصيغة اليقين عن العولمة. ما أن تقع أزمة أو مصيبة إلا وتلصق بجرة قلم طائشة للعولمة. ولحد الآن لم يتفق البعض على تحديد تعريف مدقق، في حين اكتفى البعض الآخر بتصنيفها في خانة آخر صيحات الليبرالية. فبعد الحداثة والخوصصة فسح المجال للعولمة.
والأدهى في الأمر أن بعض "كتاب المناسبات" الذين يعرفون من أين تؤكل الكثف فيصنعون كتبا مهيأة للاستهلاك السريع، تستغل حالة الدهشة المستبدة برؤوس العديد من المواطنين، وهي للأسف الشديد كتابات عوض أن تحل الإشكال فتفسر وتوضح المسألة، زادت في تعقيدها وألبستها زيا غريبا أغرقها في الغموض. والسبب ببساطة يعود إلى لعبة التطاول التي أبدع فيها البعض.
لكن في خضم هذه الفوضى الكتابية، انبثق مؤلف جديد للباحث المغربي يحيى اليحياوي، وهو للإشارة لم يكمل بعد ربيعه السادس والثلاثين، من مواليد إقليم سيدي قاسم، خريج كل من جامعة محمد الخامس، شعبة العلوم الاقتصادية 1986 قبل أن ينتقل سنة 1987 إلى المدرسة الوطنية العليا للبريد والاتصالات بباريس، وفي رصيده أربعة مؤلفات وهي:
+ "الاتصالات في محك التحولات: الدولة، الاحتكار، اللاتقنين والمنافسة" سنة 1995 وبه أحرز على جائزة المغرب للكتاب.
+ "الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال"، بالعربية سنة 1997
+ "رياح الليبرالية ومنطق الخوصصة"، بالفرنسية سنة 1996.
وأخيرا الكتاب الذي نحن بصدد تقديمه. وهي كتب تسير في نسق واحد: الاتصالات، الرهانات التي تطرحها التكنولوجيا الجديدة، الخوصصة ودور الدولة وأخيرا وضعية العالم العربي أمام هذه التحديات.
وميزة اليحياوي أنه يجمع في أسلوب ونمط كتابته المبسط طبيعة المتخصص الذي لا يكتفي بما في جعبته من زاد تقني ومعلوماتي، بقدر ما يرفد من ينابيع علمية أخرى اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، أي يتسلح بالنظرة الشمولية للظاهرة.
للوهلة الأولى ومن خلال صدمة العنوان "العولمة: الاتصال/العالم، تطرف الليبرالية الكونية والفكر الواحد" يمكن أن ترتسم جملة تصورات، أي أن العالم يسير بخطى حثيثة نحو التحقيق الفعلي لتكهنات الباحث الكندي مارشال ماكلوهان عن القرية الكونية، وعن الليبرالية في أقصى مظاهرها خصوصا بعد سقوط حائط برلين وما تبعه من انهيار للبناء الشيوعي، مشرعا الطريق أمام الأحادية القطبية في ظل منطق السوق، وليعيد الطريق بدوره نحو الفكر الأحادي.
أي أن التنوع الذي كانت تتغنى به البشرية كموروث حضاري سينقلب في سياق لعبة التنميط إلى مفاهيم متقاربة ومتشابهة حتى لا نقول مستنسخة.
يقع الكتاب في 249 صفحة قدم له الأستاذ ريكاردو بتريلا، الأستاذ بالجامعة الكاثوليكية بلوفان، رئيس مجموعة لشبونة ومسؤول برنامج " فاست" السابق باللجنة الأوروبية المكلف بتقييم سياسات العلم والتكنولوجيا.
والكتاب عبارة عن مساءلة لظاهرة ومصطلح العولمة المروج لهما باستمرار خلال السنين الأخيرة، في علاقتهما بثورة الاتصال وتزايد البعد الكوني لليبرالية الجديدة وأيضا في تزامنهما وشيوع إيديولوجية الفكر الواحد.
يقول الأستاذ بتريلا في تقديمه للكتاب "إنه لمن المهم أن نسجل أن يحيى اليحياوي لم يحصر اهتمامه في تحليل نتائج العولمة الحالية ليؤكد كباحث من إحدى الدول السائرة في طريق النمو، على الآثار السلبية والنتائج الوخيمة على اقتصاد الدول الضعيفة والأقل تقدما على وجه الأرض. وهو أمر يمكن أن نفهمه، لكنه يبقى محط تشكيك من وجهة النظر العلمية والتحليلية.
إن الانتقادات الموجهة من المؤلف للعولمة الحالية مستقاة من الخطاب الذي يقترحه متبنو قوى العالم المتقدم أنفسهم...".
لقد حان الوقت يقول بتريلا "لاعتماد أبحاث عن العولمة الأخرى من قبيل كتاب 'العولمة: الاتصال/العالم، تطرف اللليبيرالية الكونية والفكر الواحد'. فالمستقبل يراهن على التضامن بين الأفراد والمدن والمجتمعات والثقافات لا على المخربين المتنافسين الذين لا فضل لهم يذكر إلا ما تعلق باستغلال خيرات الكون لإزاحة الآخرين وليبقوا المنتصرين الأقوياء الوحيدين".
الكتاب: " العولمة: الاتصال/العالم، تطرف الليبرالية الكونية والفكر الواحد"
المؤلف: يحيى اليحياوي
249 ص، البوكيلي للطباعة والنشر، القنيطرة 1998
صدر عن دار البوكيلي للطباعة والنشر مؤخرا كتاب قيم، للباحث المغربي يحيى اليحياوي باللغة الفرنسية، تحت عنوان "العولمة: الاتصال/العالم، تطرف الليبرالية الكونية والفكر الواحد".
ونظرا لطبيعته الظرفية التي طغى عليها مصطلح العولمة ليصبح العملة الرائجة، وكذلك لما يتضمنه الكتاب من معطيات هامة وتحاليل معمقة، فقد ارتأينا تقديمه للقارئ، على أمل أن نستضيف الباحث اليحياوي في عدد قادم ليغني الحوار ويجيب عن العديد من الأسئلة المعلقة بخصوص العولمة.
ما معنى العولمة؟ ما هي المدلولات الخفية التي تختزنها دون أن تبوح بها؟ هل هناك استراتيجية مواجهة أو استعداد قبلي من لدن الدول السائرة في طريق النمو لمواجهة هذا المد الجارف؟
الحقيقة أن المرء سيصاب بالذهول والانهيار لهذا التراكم التساؤلي. فالكل يتحدث بصيغة اليقين عن العولمة. ما أن تقع أزمة أو مصيبة إلا وتلصق بجرة قلم طائشة للعولمة. ولحد الآن لم يتفق البعض على تحديد تعريف مدقق، في حين اكتفى البعض الآخر بتصنيفها في خانة آخر صيحات الليبرالية. فبعد الحداثة والخوصصة فسح المجال للعولمة.
والأدهى في الأمر أن بعض "كتاب المناسبات" الذين يعرفون من أين تؤكل الكثف فيصنعون كتبا مهيأة للاستهلاك السريع، تستغل حالة الدهشة المستبدة برؤوس العديد من المواطنين، وهي للأسف الشديد كتابات عوض أن تحل الإشكال فتفسر وتوضح المسألة، زادت في تعقيدها وألبستها زيا غريبا أغرقها في الغموض. والسبب ببساطة يعود إلى لعبة التطاول التي أبدع فيها البعض.
لكن في خضم هذه الفوضى الكتابية، انبثق مؤلف جديد للباحث المغربي يحيى اليحياوي، وهو للإشارة لم يكمل بعد ربيعه السادس والثلاثين، من مواليد إقليم سيدي قاسم، خريج كل من جامعة محمد الخامس، شعبة العلوم الاقتصادية 1986 قبل أن ينتقل سنة 1987 إلى المدرسة الوطنية العليا للبريد والاتصالات بباريس، وفي رصيده أربعة مؤلفات وهي:
+ "الاتصالات في محك التحولات: الدولة، الاحتكار، اللاتقنين والمنافسة" سنة 1995 وبه أحرز على جائزة المغرب للكتاب.
+ "الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال"، بالعربية سنة 1997
+ "رياح الليبرالية ومنطق الخوصصة"، بالفرنسية سنة 1996.
وأخيرا الكتاب الذي نحن بصدد تقديمه. وهي كتب تسير في نسق واحد: الاتصالات، الرهانات التي تطرحها التكنولوجيا الجديدة، الخوصصة ودور الدولة وأخيرا وضعية العالم العربي أمام هذه التحديات.
وميزة اليحياوي أنه يجمع في أسلوب ونمط كتابته المبسط طبيعة المتخصص الذي لا يكتفي بما في جعبته من زاد تقني ومعلوماتي، بقدر ما يرفد من ينابيع علمية أخرى اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، أي يتسلح بالنظرة الشمولية للظاهرة.
للوهلة الأولى ومن خلال صدمة العنوان "العولمة: الاتصال/العالم، تطرف الليبرالية الكونية والفكر الواحد" يمكن أن ترتسم جملة تصورات، أي أن العالم يسير بخطى حثيثة نحو التحقيق الفعلي لتكهنات الباحث الكندي مارشال ماكلوهان عن القرية الكونية، وعن الليبرالية في أقصى مظاهرها خصوصا بعد سقوط حائط برلين وما تبعه من انهيار للبناء الشيوعي، مشرعا الطريق أمام الأحادية القطبية في ظل منطق السوق، وليعيد الطريق بدوره نحو الفكر الأحادي.
أي أن التنوع الذي كانت تتغنى به البشرية كموروث حضاري سينقلب في سياق لعبة التنميط إلى مفاهيم متقاربة ومتشابهة حتى لا نقول مستنسخة.
يقع الكتاب في 249 صفحة قدم له الأستاذ ريكاردو بتريلا، الأستاذ بالجامعة الكاثوليكية بلوفان، رئيس مجموعة لشبونة ومسؤول برنامج " فاست" السابق باللجنة الأوروبية المكلف بتقييم سياسات العلم والتكنولوجيا.
والكتاب عبارة عن مساءلة لظاهرة ومصطلح العولمة المروج لهما باستمرار خلال السنين الأخيرة، في علاقتهما بثورة الاتصال وتزايد البعد الكوني لليبرالية الجديدة وأيضا في تزامنهما وشيوع إيديولوجية الفكر الواحد.
يقول الأستاذ بتريلا في تقديمه للكتاب "إنه لمن المهم أن نسجل أن يحيى اليحياوي لم يحصر اهتمامه في تحليل نتائج العولمة الحالية ليؤكد كباحث من إحدى الدول السائرة في طريق النمو، على الآثار السلبية والنتائج الوخيمة على اقتصاد الدول الضعيفة والأقل تقدما على وجه الأرض. وهو أمر يمكن أن نفهمه، لكنه يبقى محط تشكيك من وجهة النظر العلمية والتحليلية.
إن الانتقادات الموجهة من المؤلف للعولمة الحالية مستقاة من الخطاب الذي يقترحه متبنو قوى العالم المتقدم أنفسهم...".
لقد حان الوقت يقول بتريلا "لاعتماد أبحاث عن العولمة الأخرى من قبيل كتاب 'العولمة: الاتصال/العالم، تطرف اللليبيرالية الكونية والفكر الواحد'. فالمستقبل يراهن على التضامن بين الأفراد والمدن والمجتمعات والثقافات لا على المخربين المتنافسين الذين لا فضل لهم يذكر إلا ما تعلق باستغلال خيرات الكون لإزاحة الآخرين وليبقوا المنتصرين الأقوياء الوحيدين".
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
