الأحد، 3 مايو 2009

الفصل الأوَّل في التَّعريف والمفهـوم‏
العولمة هي الظَّاهرة التَّاريخيَّة لنهاية القرن العشرين أَو لبداية القرن الواحد والعشرين، مثلما كانت القوميَّة في الاقتصاد والسِّياسة الثَّقافة هي الظَّاهرة لنهاية القرن التَّاسع عشر وبداية القرن العشرين.‏
جورج طرابيشي(1)‏
فرقٌ كبيرٌ بين أَن يحار المرءُ في كيفيَّة الوصول إلى مدخلٍ لكلامه عن مشكلةٍ أَو أَمرٍ ما، وبين أَن يكون منبعُ الحيرة كثرةُ المداخل. وموضوع العولمة أَحد هذه الموضوعات الَّتي تثيرُ في النَّفس هذا النَّوعَ الأَخير من الحيرة؛ حيرة المداخل الكثيرة الَّتي يفرضُ كلٌّ منها إيقاعه وأَهمِّـيَّته؛ فهل نبدأُ من مدى مصداقيَّة هذا الاصطلاح ؟ أَم من ضرورة ظهوره ؟ أَم من مبرِّراته ودواعيه، ومن ثمَّ هل العولمة عَرَضٌ أَم جوهرٌ أَم ظاهرة ؟ أَم ترانا نستهلُّ بجذوره، وهي بحدِّ ذاتها إشكاليَّةٌ قد تستعصي على الحلِّ لشديدِ تباينُ وجهات النَّظر فيها، وانشعاب الآراء المفسِّرة لذلك.‏
سنتركُ ذلك كلَّه ونبدأُ بالدَّلالة اللغويَّة بوصف اللغة مفتاح الفهم على عمومه، والرََّصيد الدَّلاليَّ لأَيِّ مفردةٍ؛ أَكانت اصطلاحاً أَم مفهوماً، ومهما كان الميدان الَّذي تدور في فلكه. فما العولمة ؟‏
العولمة، لغةً، ومثلها القوننة والرَّودنة(2) والحوقلة(3) والقوقعة والهوجلةُ(4) ، على وزن فوعلة؛ من المصادر(5) القياسيَّة في اللغة العربيَّة، وبالتَّالي فهي مصطلحٌ سليمٌ من النَّحت والتَّركيب. والمصادر في اللغة العربيَّة، وفي كثيرٍ من اللغات غيرها، تختصُّ دون سواها من المفردات باتِّساع اتِّجاهاتها الدَّلاليَّة من حيث إمكان اتِّجاهها أَكثر من وجهةٍ، وربَّما في الآن أَو السِّياق المستخدمِ ذاته؛ فهي قد تنوب مناب الفعل فيكون معناها أَداء الفعل الَّذي مادَّتُهُ الجذر اللغويُّ الَّذي هو العالم هنا. وبذلك يكون معنى العولمة: جعل الشَّيء مادَّةِ العولمةِ عالميًّا أَو على مستوى العالم. وقد يكون المصدر مفعولاً مطلقاً فيكون بذلك مؤكِّداً لفعله ...والمصدر في الأَصل: اسمٌ دالٌّ على حَدَثٍ جارٍ على فعله.‏
وأَيـًّا كان الأَمرُ فإنَّ الدَّلالة اللغويَّة للعولمة لن تنأى عن كون الجذر والمصدر منه، وهي الإشارةُ إلى إسباغ صفة العالميَّة على موضوعٍ ما هو موضوع فعل العولمة. وبهذا المعنى تماماً قدَّمتها موسوعة الإدارة والأَعمال على أَنَّها "عمليَّة زيادة الالتحام في الحضارة العالميَّة"(6) . ولذلك عينه تعدَّدت الأَلفاظ الدَّالَّة على العولمة أَو الحالـَّة محلَّها مثل: الكوننة، والكونيَّة، والعالم القريَّة ....‏
والعولمة، بوصفها اصطلاحاً، لصيقةُ النَّشأةِ بالجانب أَو النَّشاط الاقتصاديِّ، بل لقد "استخدمَ هذا المصطلحُ أَساساً لوصف بعض الأَوجه الرَّئيسة للتَّحوُّل الحديث في النَّشاط الاقتصادي العالمي"(7) . وجلُّ الَّذين تحدَّثوا فيها لم يكونوا ليجدوا لها ميداناً آخر غير هذا الميدان. ولكنَّ هذا الاصطلاح، كمعظم غيره من الاصطلاحات يولدُ رخواً، هشَّ البنية، ليس له إلاَّ مهده، حتَّى إذا شبَّ ونما كَبُرَ على مهده وقرع كثيراً من الأَبواب، ودخل كثيراً من السَّاحات.‏
انطلاقاً من ذلك لا عجب في أَلاَّ يبتعد الاقتصاد عن مجمل تعريفات العولمة، فهي تشمل عند الجابري "مجال المال والتَّسويق والاتِّصال، كما أَنَّها من إفرازات المعلوماتيَّة"(8) . ويقدِّمها مصطفى حمدي على أَنَّها "حرُّيـَّةُ حركة السِّلع والخدمات والأَيدي العاملة ورأس المال والمعلومات عبر الحدود الوطنيَّة والإقليميَّة"(9) . حتَّى ألفين توفلر ـ Alvin Toffler الَّذي انفرد بمصلح خاصٍّ به للدَّلالة على العولمة هو: الموجة الثَّالثة فإنَّه جعل من أَهمَّ سمات هذه الموجة " المعرفة الَّتي تعمل على توفير الوقت والمكان؛ سواء في أَماكن التَّخزين أَو وسائل النَّقل، وفي سرعة التَّوزيع، والاتِّصال بين المنتج والمستهلك"(10) . وموسوعة الإدارة والأَعمال الَّتي عرَّفتها بأَنَّها "عمليَّة زيادة الالتحام في الحضارة العالميَّة" لم تجد تفسيراً لهذا الالتحام إلاَّ في زيادة الاعتماد الاقتصاديِّ المتبادل بين الدُّول واضمحلال دور المركزيَّة الاقتصاديَّة(11) .‏
ولكنَّ حرِّيـَّة الحركة الاقتصاديَّة هذه ليست بالأَمر الجديد أَو المستحدث فهي محور أَهداف منظَّمة التِّجارة العالميَّة الموسومة بـ الجات ـGATT وهي بدورها "مرتبطةٌ بوثيق الصِّلات وأَوشجها مع الجذر الفلسفي للمدرستين: التِّجاريَّةـ؛ الَّتي ظهرت مع بداية القرن الخامس عشر، واهتمَّت بكيفيِّة رفع الفائض في الميزان التِّجاريِّ. والطَّبيعيَّة ـ؛ الَّتي ظهرت في فرنسا في منتصف القرن الثَّامن عشر، وأَكَّدت على ترك النَّشاط الاقتصاديِّ حرًّا من كلِّ قيد وتدخُّل"(12) . على أَنَّه لا يمكننا إغفال أَنَّه "عندما باشرت الجات عملها فإنَّها جعلت البيئة التَّجاريَّة أَكثر انفتاحاً(13) ؛ لقد أَحدثت ثورةً في أُجور الشَّحن من خلال الحاويات ـ Containers، والتِّقنيات الجديدة الَّتي جعلت الاقتصاديَّات ممكنة على قواعد جغرافيَّة أَكثر اتِّساعاً"(14) . ولذلك كان من الحقِّ بمكان أَنَّ "موجة الحماية إلى جانب الحربين العالميتين وبطئ النَّقل البحري والاتِّصالات سبباً في تأخير بدء موجة العولمة إلى السِّتينات"(15) .‏
الحقُّ أَنَّ حرِّيـَّة الحركة الاقتصاديَّة؛ الرَّساميل والسِّلع والعمالة ... ليست هي كلُّ المبتغى الَّذي تشرئب إليه العولمة(16) ، ولذلك ذهب سمير أَمين في مطلع كتابه: إمبراطوريَّة الفوضى)) إلى أَنَّ العولمة مجرَّد تكثيفٍ للعلاقات الرَّأسماليَّة، إذ إنَّها "اجتازت عتبةً جديدةً، خلال السَّنوات الأَربعين المنصرمة، بكثافة المبادلات والمواصلات المتنوِّعة وبالقدرة الشَّاملة لوسائل التَّدمير"(17) . ولكنَّه تكثيفٌ نوعيٌّ يضعُ أَمامه وفي اعتباره أَنَّ النُّظم الاقتصاديَّة التَّقليديَّة؛ نظم الإنتاج والتَّسويق والتَّوظيف ... لم تعد تفي بغرض المرحلة القادمة، وانطلاقاً من هذا المعنى يذهب إلى أنَّه "يتوالد اليوم عهدٌ جديدٌ هو عهد السُّوق ـ Market الذي سيغدو محاولة جديدة لتوحيد العالم؛ أي العولمة"(18) . ومن هنا كان تعريف صادق جلال العظم للعولمة بأَنَّها " إعادةُ صياغة مجتمع الأَطراف وتشكيلها على صيغة المركز؛ بمعنى نقل الثِّقل من المركز إلى جميع الأَطراف في مسألة التَّبادل والتَّوزيع"(19) . ومن هذه الوجهة يصحُّ قول جورج طرابيشي بأَنَّ العولمة هي " الظَّاهرة التَّاريخيَّة لنهاية القرن العشرين أَو لبداية القرن الواحد والعشرين، مثلما كانت القوميَّة في الاقتصاد والسِّياسة الثَّقافة هي الظَّاهرة لنهاية القرن التَّاسع عشر وبداية القرن العشرين"(20) . وبهذا المعنى تقريباً ذهب علي حرب إلى أنَّ العولمة: "ليست شيئاً بسيطاً يمكن تعيينه ووصفه بدقَّة، بقدر ما هي جملة عمليَّات تاريخيَّة متداخلة تتجسَّد في تحريك المعلومات والأفكار والأموال والأشياء، وحتَّى الأشخاص، بصورة لا سابق لها من السُّهولة والآنيَّة والشُّموليَّة والدَّيمومة. إنَّها قفزة حضاريَّة تتمثَّلُ في تعميم التَّبادلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة، على نحوٍ يجعل العالم سوقاً للتَّبادل أو مجالاً للتَّداول أو أفقاً للتواصل"(21) . وليرى من ثم ـ من خلال هذا المعنى للعولمة ـ أنَّنا "نجد أنفسنا اليوم إزاء حدث كونيٍّ ندخل معه في العصر الكوكبيِّ بآفاقه ومجالاته، بثوراته وتحولاته. وهذا العصر تختصره أربعة عناوين كبرى لفتوحات وابتكارات وقدرات وتكتُّلات تؤثِّر في حياة البشر وتهيمن على مقدَّراتهم ومصائرهم هي: الاقتصاد الإلكتروني، والمجتمع الإعلامي، والمجال التلفزيوني أو البصري، والفضاء السبراني الذي يعني القدرة على السَّمع والرُّؤية و اللمس والمراقبة والتَّحكُّم من على بُعد"(22) . وبهذا المعنى الأخير كان قد ذهب برهان غليون إلى أنَّ العولمة "حركيَّة ـ Dynamics جديدة تبرز داخل دائرة العلاقات الدُّوليَّة من خلال تحقيق درجة عالية من الكثافة والسُّرعة في عمليَّة انتشار المعلومات والمكتسبات التِّقنيَّة والعلميَّة للحضارة"(23) .‏
وبهذا المعنى نستطيع الآن فهم توجُّهات كينشي أُوماي ـ Kenichi Ohmae رئيس ماك كينـزي ـ Mc Kinsey في طوكيو المسمَّى في الغرب بنبيِّ العولمة الَّذي أَلَّف كتاب "ثالوث القوَّة" عام 1985م وبيَّن فيه أَنَّه يجبُ على الشِّركات "أَن تبتني وجودها في مناطق التِّجارة الرَّئيسة في العالم وهي: أوربا وشمال أَمريكا واليابان، والمجازفة هي أَن تسير الشَّركات عكس هذا التِّـيَّار"(24) . ويعود في عام 1990م ليؤكِّد نظريَّته هذه في كتابه "عالم بلا حدود ـ Borderless World" ويقدِّم أنموذجاً حيًّا كمفتاحٍ لرسالته "من خلال النَّجاح العالمي الياباني لشركة هوندا ـ Honda الَّتي عاملت كلَّ زبائنها؛ سواء وراء البحار أو المحلِّيين بالأَهميَّة نفسها، والفعاليَّة ذاتها"(25) .‏
والحقُّ أنَّ فكرة عنوان كتاب أوماي "عالم بلا حدود" هي التي استطاعت أن تفرض ذاتها أخيراً على جلِّ المفكِّرين الذين استلهموا منها أهمَّ تعريف معبِّرٍ وبليغ وكثيف للعولمة التي أصبحت تعني من غير ما جدل " نهاية الجغرافية ". ولا غرو في ذلك إذ إنَّ هذا الاصطلاح: نهاية الجغرافية، قادر على احتواء مختلف التَّعريفات السَّابقة للعولمة، فنهاية الجغرافية هي العالم بلا حدود، هي انعدام كلِّ الحواجز؛ الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والعرقيَّة والثَّقافيَّة والعلميَّة والمعرفيَّة ... والجغرافيَّة.‏
ولكنَّ السُّؤال الذي يطرح ذاته بجدارة تامَّةٍ هو: ما مدى مصداقيَّة كلِّ هذه التَّعريفات؟ ومن ثمَّ إلام تشير ؟ أهي تعبِّر عن واقع أم عن متطلَّبات ؟‏
لا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ كلَّ التَّعريفات مرتبطة بجذور عقائديَّة وتعبِّر عن مناخات منفعيَّة تفوح منها رائحة هذه العقائديَّات المنبثقة منها بمعنى من المعاني ذلك أنَّ الجغرافيا لم تنته والتَّاريخ لم ينته ولن ينتهي، وبذلك فإنَّ هذه التَّعريفات لا تعبِّر عن واقعٍ أبداً وإنَّما تعبِّر عن مطالب ومتطلَّبات وتَحقُّق ذلك على أرض الواقع مرتهن بجملة معقَّدة من الشُّروط والمعايير والمقاييس والظُّروف لا يوجد ما يحول دون تحقُّقها عقليًّا ولكنَّ منطقيَّة الواقع من جهة وراهنيَّته من جهة ثانية لن تحتمل ذلك أبداً بالمعاني المرادة من العولمة والمطروحة فيها. وانطلاقاً من مثل هذا الأساس ذهب محمد عابد الجابري إلى تأكيد أنَّ العولمة ليست مجرَّد آليَّة من آليَّات التَّطوُّر الرَّأسمالي، بل هي أيضاً، وبالدَّرجة الأولى، [عقائديَّة] تعكس إرادة الهيمنة على العالم، والعولمة التي يجري الحديث عليها الآن نظام أو نسق ذو أبعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد. إنَّها نظامٌ عالميٌّ، أو يراد لها أن تكون كذلك، يشمل مجال المال والتَّسويق والمبادلات والاتِّصال الخ ... كما يشمل أيضاً مجال السِّياسة والفكر و[العقائديَّة] ... فالعولمة إلى جانب أنَّها تعكس مظهراً أساسيًّا من مظاهر التَّطوُّر الحضاري الذي يشهده عصرنا، هي أيضاً [عقائديَّة] تعبِّرُ بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم وأمركته(26) . وقد حددت الولايات المتَّحدة خصوصاً والعالم الغربي على العموم، الوسائل التي ستقوم من خلالها بتحقيق أغراضها في ذلك، ومن أهمها الضَّغط بالاقتصاد والإعلام لتفتيت القوميَّات الجامحة وخلخلة التَّوازنات الدولية بما يخدم مصالحها والتَّركيز على الحرب النَّفسيَّة من خلال الغزو الثَّقافي والإعلامي والتِّقاني لكسر أطواق الحدود القوميَّة وفتحها أمام الصَّولة الغربيَّة عموماً والأمريكيَّة خصوصاً.‏
العولمة تهدد شخصية الطفل المسلم لانها غزو ثقافي مباشر
Posted: 08-08-2005 , 11:25 GMT
اصدر مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية كتابا جديدا بعنوان الثقافة الإسلامية للطفل والعولمة للباحث فتحي درويش عشيبة .تسعي هذه الدراسة إلي تحديد معني العولمة لغوياً واصطلاحياً، وتبيين الآراء المختلفة حول آثارها السياسية والاقتصادية والثقافية، سواء الإيجابية أو السلبية، وخاصة ما يتعلق بثقافة الطفل المسلم.كما تعمل علي تحديد معني الثقافة الإسلامية، وتبيين عناصرها الدينية والأخلاقية والسياسية، وشرح الاعتبارات التربوية الواجب التزامها في عملية تثقيف الطفل.ويوضح المؤلف حسب صحيفة القدس العربي، دور الثقافة الإسلامية للطفل في مواجهة ما يعتبره آثاراً سلبية للعولمة، وخصوصاً في مواجهة بعض المقولات التي يروجها من يعتبرهم مؤيدي العولمة من قبيل إنكار الثقافات غير الغربية للعلم والتفكير العلمي، وعدم اهتمامها بحقوق الإنسان.ويبين المؤلف المعوقات التي تعترض عملية تعليم الثقافة الإسلامية للطفل، علي مستوي الأسرة والإعلام والنظام التعليمي، ويقدم توصيات مفصلة من أجل مواجهتها.وحدد الكتاب مفهوم العولمة وآثارها في ثلاث نقاط رئيسية هي:مفهوم العولمة واثار العولمة والمعوقات التي تواجه تعليم الثقافة الاسلامية للطفل.وعدد الكتاب آثار العولمة فقال:1 ـ هناك فريق يري أن للعولمة آثاراً إيجابية كثيرة يجب أن تغتنمها الدول، وأهمها:أ ـ الآثار السياسية: سقوط الشمولية والتسلط، والنزوع إلي الديمقراطية والتعددية السياسية، والتزام قيم واحدة تحكم الأداء السياسي وتصون حقوق الإنسان، وانتشار المنظمات الأهلية.ب ـ الآثار الاقتصادية: تعميق الاعتماد المتبادل والمبادلات التجارية الحرة بين الدول، ورفع مستوي جودة البضائع والخدمات، نظراً إلي حدة المنافسة في الأسواق العالمية.جـ ـ الآثار الثقافية: إغناء الثقافات المحلية وتنميتها من خلال تبادل المعرفة والخبرات، وانتشار الصناعات الثقافية، وتزايد دورها في ترويج المادة الثقافية، وتجاوز الحدود الإقليمية في سبيل تلبية رغبات الجماهير وملء الفراغ، وتحرير المواطن من قيود الإعلام الرسمي.2 ـ في المقابل، يري فريق آخر أن العولمة تنطوي علي العديد من السلبيات والمخاطر التي تهدد معظم الدول، وبخاصة الدول النامية، وأبرزها:أ ـ في المجال السياسي: تقلص دور الدولة، وتخليها عن كثير من سلطاتها لصالح مجموعة من القوي والمؤسسات الدولية، واتجاه الدول التي تتبني العولمة نحو تقييد الديمقراطية.ب ـ في المجال الاقتصادي: أدي فتح الحدود بين الدول الصناعية الكبري والدول النامية إلي تحول الأخيرة إلي سوق لتصريف بضائع الدول الكبري، مما عرض صناعاتها المحلية للخطر، والاستغناء عن كثير من العمال، وزيادة مشكلات البطالة والفقر والتطرف، واهتمام العالم بالاقتصاد أكثر من الأخلاق، وترويج مقولات مادية رأسمالية تسوغ اللامساواة.جـ ـ في المجال الثقافي: تحمل العولمة في ثناياها غزواً ثقافياً، حيث تعرض نمطاً قيمياً معيناً يعتبره أصحابه نهاية التاريخ"، ويمثل هذا نوعاً من الاستعلاء والعنصرية الثقافية.أما الآثار الثقافية والأخلاقية والاجتماعية للعولمة التي تهدد شخصية الطفل المسلم فهي:ـ اكتساب سلوكيات تنافي آداب الإسلام وقيمه، مثل التمرد علي الأسرة والنظام المدرسي، والتحرر الجنسي.ـ تكريس السلبية وقتل الإبداع لدي الأطفال، فيندفعون باتجاه اللامبالاة والهروب من الواقع.ـ تقليد سلوكيات منتشرة في الغرب، مثل لبس الجينز، وغناء أغاني الروك، والتدخين.ـ عزل الطفل عن المحيطين به، وتكريس نزعة استهلاكية تتناقض مع الإمكانات المادية لأغلبية أفراد المجتمع، وتخلق لدي الأطفال طموحات ورغبات واهتمامات غير واقعية.ـ تغريب الطفل المسلم عن دينه من خلال إنكار الغيبيات، وتفسير الظواهر الكونية مادياً.ـ يشعر الأطفال وهم يشاهدون بعض المواد الإعلامية الغربية، وبخاصة الأمريكية منها، بقدر كبير من الحرمان وهم يقـــارنون بين واقعهم المادي وبين الأجواء التي تقدمها.والخلاصة أن العولمة ظاهرة تهدف إلي خدمة الدول القوية، وتضر بمصلحة الدول النامية أكثر مما تنفعها، وتتوقف الاستفادة من مزاياها علي قوة المجتمع الذي يتعامل معها
اللهم صلي وسلم على اشرف الخلق وخاتم النبيين محمد واله الطيبين الطاهرينكثيرا ما نسمع عن العولمه ولكن ماهي العولمة ولماذا تدعو لها بعض الدول .السلام عليكم و رحمة الله و بركاته وبعد :للعولمة جوانب إيجابية و أخرى سلبية ، غير أن جوانبها السلبية قد تطغى على الجوانب الإيجابية منها بالنسبة إلى الأمة الإسلامية وكذلك الشعوب الضعيفة ، و ليس مقصود الممهدين للعولمة إلا محاولة تكميل السيطرة و الهيمنة الكاملة على ما تبقى حتى الآن بعيداً عن سيطرة القوى العظمى و هيمنتها .فرفع بعض القيود ، و تعميم بعض الإمكانيات هو شيء جيد طبعاً ، لكن يجب أن لا ننسى التأثيرات العلمانية و الثقافية و السياسية و الاقتصادية خاصة التي تستهدف البنية الاقتصادية للدول الإسلامية ، و ما تترتب عليها من أمور في المستقبل .فلعل المقصود الرئيسي هو غزو العالم بصورة عامة و العالم الإسلامي بصورة خاصة فكرياً و سياسياً و اقتصادياً ، و فرض هيمنة القوى الكبرى على الأمم و الشعوب و استضعافها و استعمارها من جديد تحت عناوين جديدة مغرية و برّاقة .لكن الملاحظ أن حقائق كثيرة ظهرت الى العلن و كشفت النقاب عن النوايا و الأهداف المأمولة التي كان دعاة العولمة قد خططوا لها فلم تَعُد تلكم الشعارات جذابة و لا رنانة كما كانت عليه في بداية الأمر .و من حيث المجموع فإن العولمة سلاح ذو حدين فيجب أن يكون موقفنا منها ـ كمسلمين ـ موقف الحذر الشديد ، رغم محاولة الاستفادة من إمكانياتها الإيجابية ، و هذا ما نرجوه للأمة الإسلامية إن شاء الله .
العولمهالتاريخ: 22-11-1428 هـالموضوع: بقلم : قيصر باقر 1-12-2007 أردت من خلال هذه الدراسة المستفيضة التي تتناول واقع مفهومية مصطلح العولمة أن يعي أبناء شعبنا المنكوب في العراق معناها من خلال المتابعة الشاملة لموضوع العولمة هذه والتي تصعب على الكثيرين فهمها أو شرح مقاصدها وبُعده عن الوقوف على غرضها ومعناها وتأثيراتها السياسية والأجتماعية والأقتصادية على المجتمعات وحتى المؤيدين للعولمة في كيفية صياغة حياة البشر في مختلف الأمم ، وفق القيم والمسالك والأنماط الغربية وإسهاما مني في تجلية هذا الأمر ، فقد بحثت هذا الموضوع ، من ناحية معنى العولمة بعامة والعولمة الأقتصادية بخاصة ، وأهدافها ، وأدواتها ، وأسباب بروزها ، وآثارها الاقتصادية في دولنا ، ومنظماتها التي تخطط لها وتطبقها على شكل سياسات في الدول النامية وهي : البنك الدولي للتعمير والتنمية ، وصندوق النقد الدولي ، ومنظمة التجارة العالمية
إن العولمة تحتوي على تصورات أجتهادية كلية لقضايا مصيرية تمس كينونة الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل وهي من أكثر المصطلحات المعاصرة إنتشارا وغموضا في الوقت نفسه ولذلك يتساءل كثير من الناس عن معنى هذا المصطلح ، هل هو جعل الأنظمة السياسية الموجودة في العالم على نمط سياسي واحد؟أم فتح الأسواق وإلغاء القيود والحواجز الأقتصادية بين الدول ؟أم تصدير ثقافة معينة ينبغي لها أن تسيطر وتفوق غيرها من الثقافات ؟أم أن العولمة هي كل ما تقدم ، بل وربما أكثر ؟ثم يأتي السؤال الأهم وهو : ما حكم العولمة في الدول الأسلامية ؟وما موقف دول الغرب والشرق الأوسط والنامية منها ؟للإجابة عن هذه الأسئلة ، عُقدت كثير من المؤتمرات والندوات والمحاضرات، بغية تجلية هذا الأمر وبيان الموقف منهإلا أن ما قدم فيها ـ وبخاصة العولمة الأقتصادية ـ كان يعاني أمرين : إما طرح الموضوع والتعمق فيه من الناحية الأقتصادية دون بيان الحكم الشرعي، أو طرح إسلامي عام لا يضع النقاط على الحروف ؛ فلا يبين الحكم الشرعي بعد دراسة الظاهرة دراسة وافية ، ولا يطرح حلولا تفصيلية وسياسات شرعية يمكن تطبيقها في الواقع.فمعظم الكتابات الدينية التي صدرت أتسمت بالعمومية وعدم التعمق ، حيث أشتملت على أحكام متعجلة وتوصيات أقرب إلى التمنيات منها إلى الحلول والسياسات ، باستثناء بعض الرسائل العلمية القليلة جدا التي تناولت أجزاء يسيرة من هذا الموضوع الضخم ولا شك أن تشعب الموضوع وتعقيده قد حال دون الوصول إلى المقصود .والعولمة " Globalization " لفظة إنجليزية حديثة المنشأ ، لا يجدي البحث عنها في المعاجم العربية ، بل لا بد من الرجوع إلى المعاجم والقواميس الأجنبية لمعرفة المقصود بها :وبالرجوع إلى بعض تلك المعاجم وجدت أن أصل اللفظة هو " Globe " ويعني : كرة، أو الكرة الأرضية ترمز إلى سلطة الملك وعدالته. والصفة منها وتعني : كروي ، أو عالمي ، أو شامل ، أما الاسم Globalization " " فيعني ما يلي :هي إكساب الشيء طابع العالمية ، وبخاصة جعل نطاق الشيء أو تطبيقه عالميا. وقد ترجمت اللفظة الإنجليزية " Globalization " إلى ثلاثة ألفاظ عربية هي: " العولمة " و"الكوكبة "و" الكونية .وأنتشرت اللفظة الأولى على لسان كثير من الكتاب والمفكرين، وإن كان بعضهم يعترف بأن لفظة " الكوكبة " أدق من لفظة " العولمة " ؛ لأن لفظة العولمة إشتقاق من "عالم " الذي يقابل " World " وليس من " الكوكب " الذي يقابل " Globe " .وقد أختلفت التعريفات الأصطلاحية للعولمة ، بأختلاف توجهات وأفكار من يعرَّفونها ، قبولا أو رفضا .فبينما يعرفها الغربيون بتعريفات تبدو محايدة وبراقة ، يعرفها بقية المفكرين في الدول النامية وبخاصة المسلمين منهم، بتعريفات تصورها على أنها خطر داهم يجب التنبه له ومواجهته .كما أن تعريفاتهم للعولمة قد اختلفت أيضا من شخص لآخر، بسبب تعقيدها وتشعبها وتعدد جوانبها، بل رأى بعضهم ، عدم جدوى البحث عن تعريف جامع مانع ، واكتفى بتحديد المعنى ومعرفة أبعاده ومضامينه.فمن الفريق الأول ـ وهو المؤيد للعولمة ـ عرفها صندوق النقد الدولي بأنها " تزايد الأعتماد الاقتصادي المتبادل بين بلدان العالم ، بوسائل منها: زيادة حجم وتنوع معاملات السلع والخدمات عبر الحدود والمتدفقات الرأسمالية الدولية ، وكذلك من خلال سرعة ومدى انتشار التكنولوجيا ".ويؤخذ على هذا التعريف ، أنه يحصر العولمة في المجال الاقتصادي ويهمل المجالين : السياسي ، والثقافي .كما أنه يصور العولمة وكأنها ظاهرة تلقائية تحدث عفويا بين الدول ، وليست خلفها جهات توجهها وتسيرها .واذا كان هذا هو المعنى المعلن للعولمة ، أما المعنى الخفي فشيء غير ذلك .ومن الفريق الآخر ـ وهو المعارض للعولمة ـ فقد عرفها الاقتصاديون بأنها " اندماج أسواق العالم في حقول التجارة، والاستثمارات المباشرة ، وانتقال الأموال ، والقوى العاملة، والثقافات ، والتقانة ، ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق، وتاليا خضوع العالم لقوى السوق العالمية ، مما يؤدي إلى اختراق الحدود القومية، وإلى الانحسار الكبير في سيادة الدولة، وأن العنصر الأساسي في هذه الظاهرة، هي الشركات الرأسمالية الضخمة متخطية القوميات ". وعرفها أحد الباحثين ذلك التوجه وتلك الدعوة التي تسعى إلى صياغة حياة البشر في مختلف الأمم ، وفق القيم والمسالك والأنماط الغربية ـ وبالدرجة الأولى الأمريكية ـ وتحطيم خصوصيات الأمم المختلفة ، إما بالترغيب أو بالترهيب ".ثم ذكر أن هذا التعريف تلتقي فيه عامة التعريفات وإن اختلفت صياغاتها، وأن هذه الفكرة ليست جديدة، فإشاعة قيم الغرب ، تدرجت من التغريب، إلى الحداثة ، ثم إلى العولمة، فليس في الأمر شيء جديد .والراجح في معنى العولمة هي نشر القيم الغربية الرأسمالية في العالم، وجعل العالم كله يسير وفقا للنموذج الغربي الرأسمالي في مجالات السياسة ، والأقتصاد، والثقافة وتوحيد أقصى العالم بأدناه عن طريق التكنالوجيا الحديثة والتي بدأت تدخل بيوتنا من خلال الكمبيوترات ..حيث بأمكان المرء التواصل مع العالم من بيتهأنواع العولمة والفرق بينها وبين العالمية : ربما كان من أسباب أختلاف تعريفات العولمة وصعوبتها ، تعدد أنواع العولمة نفسها .فمن الطبيعي أن تختلف تعريفات العولمة باختلاف أبعادها وتجلياتها ومؤشراتها على أرض الواقع، ويمكن حصر العناصر الأساسية لظاهرة العولمة الراهنة في مستويات ثلاثة متداخلة ومترابطة هي: الاقتصاد ، والسياسة، والثقافة .فالعولمة إذن تنقسم إلى أقسام متعددة أهمها ما يلي :1- العولمة السياسية وتعني نشر القيم الغربية في مجال السياسة بالدعوة إلى الأخذ بالديمقراطية الغربية بوصفها نظاما للحكم ، مع ما يتطلبه ذلك من تعددية سياسية ، وأحزاب ، وحرية في التعبير ، ومجالس تشريعية ، ودساتير ، ورأي عام ، وغير ذلكوهذا النوع وإن كان قد تغلغل في مجتمعاتنا منذ الأستعمار العسكري الغربي في القرنين الماضيين، إلا أنه تزايد وانتشر بعد إطلاق مصطلح العولمة إنتشارا ملحوظا .2- العولمة الفكرية والثقافية والاجتماعية وتعني نشر الفكر الغربي في النظر إلى الكون والحياة والإنسان ، بوسائل منها : الأدب الغربي الذي أخذ يتسلل إلى مجتمعاتنا باسم الحداثة ، وشبكة المعلومات الدولية والفضائيات التي أصبح انتشارها في العالم ممكنا ، بعد أن غزا الغرب الفضاء وثبت فيه عددا كبيرا من الأقمار الصناعية .3 - العولمة الاقتصادية وتعني نشر القيم الغربية في مجال الاقتصاد مثل: الحرية الاقتصادية ، وفتح الأسواق ، وترك الأسعار للعرض والطلب ، وعدم تدخل الحكومات في النشاط الاقتصادي ، وربط اقتصاد الدول النامية بالاقتصاد العالمي ، بحيث يصبح العالم مقسما إلى قسمين لا ثالث لهما ؛ قسم ينتج ويطور ويبدع ويصدر وهو الدول الغربية ، وقسم يستهلك ويستورد فقط وهو الدول النامية ومنها الدول الإسلامية.وهذا هو مغزى الاستعمار قديما وحديثا ، أعني امتصاص خيرات الشعوب الضعيفة وجعلها دائما تابعة للدول الصناعية الغربية .وقد لا أجافي الحقيقة إذا قلت إن الاقتصاد هو المحرك أو السبب الرئيس لكثير من الأحداث العالمية ، لأننا نعيش في عالم يقدس المال ويسعى إلى الحصول عليه بطرق شتى وفقا لمبدأ الإيطالي ميكيافيلي " الغاية تبرر الوسيلة " .ومع التسليم بخطر النوعين السابقين من العولمة : السياسية والثقافية ، فإن العولمة الاقتصادية هي أشد هذه الأنواع خطرا وهي المحرك الحقيقي للعالم الغربي. أما العالمية " Globalism " فقد عرفتها الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة الصادرة عن الندوات العالمية ، بانه مذهب يدعو إلى البحث عن الحقيقة الواحدة التي تكمن وراء المظاهر المتعددة في الخلافات المذهبية المتباينةويزعم أصحاب هذه الدعوة أن ذلك هو السبيل إلى جمع الناس على مذهب واحد، تزول معه خلافاتهم الدينية والعنصرية ، لإحلال السلام في العالم محل الخلاف.وبناء عليه ، يتبين أن العالمية تمثل مجالا واسعا من مجالات العولمة وهو المجال الثقافي وأن العلاقة بينهما علاقة جزء بكل وإن الفروق وحسب المفكرين والباحثين بين العولمة والعالمية بمعناها الجائز كثيرة منها ما يلي :1 - أن العولمة مسح للثقافات الأخر وإحلال الاختراق الثقافي محل الصراع الأيديولوجي .أما العالمية فهي تفتح على العالم وعلى الثقافات الأخر ، واحتفاظ بالخلاف الأيديولوجي 2 - أن العولمة إرادة للهيمنة ، فهي قمع وإقصاء للخصوصية واحتواء للعالم . أما العالمية فهي طموح إلى الارتفاع بالخصوصية إلى مستوى عالمي ، وانفتاح على ما هو عالمي وكوني .3 - أن طلب العالمية في المجال الثقافي ـ كما في غيره من المجالات ـ طموح مشروع ، ورغبة في الأخذ والعطاء ، وفي التعارف والحوار والتلاقح .أما العولمة فهي إرادة لاختراق الآخرين ، وسلبهم خصوصيتهم. لان العولمة تعني اجبار القوي للضعيف على فعل ما لا يريده .إن مياديين العولمة في النهاية واسعة والجدل في مسائلها عظيم والخلاف في صحة وصدق النتائج محل نظر وقبول ورد عند البعض في عصر إنتشار الأقمار الصناعية التي نردد الكثير من النظرات ونظن أنها معاصرة في حين أن جذورها قديمة قد أرتبطت بأسماء لامعة أعتنت بالفكر والعلم وبذلت جهوداً جبارة لتوفير إجابات تفصيلية لأسئلة مصيرية تمس الحياة والكون والبشرية وقد خطت التربية الإنسانية والفكرية عبر القرون الماضية خطوات واسعة ولكنها ما زالت لا تمتلك مذهباً فكريا كاملا أو مفهوما لما ينبغي أن نفعله لتحقيق السلامة والسعادة في زمن العولمة هذه كما يسمونها . حيث ظهرت مفاهيم شتى وأخرى أندثرت بعد أن ازدهرت وحاولت أن تُولِّد تياراً فكرياً يهيمن على حركة الحياة. ومن المفيد القول أن بعض تلك الأتجاهات والأفكار مهدت لغيرها وتتفق معها في بعض الجوانب في حين أن بعضها الاخر ، قد تتناقض مع غيرها جوهرياً إلا أنها في النهاية تحاول أن تضع نظرية متماسكة للتغيير وفقاً لمبادئ ترى جدواها. ولا شك أن العاملين في ميدان العولمة يحاولون نشر وتنمية الوعي الثقافي الجديد في العالم ويطلعون على هذه النظريات في عالم يعج بالفلسفات والعادات والتقاليد المختلفة ولا يمكن أن نفقه التحديات المعاصرة وأن نواجه الشبهات المتزايدة من غير أن نفهم مكونات ومحاور الأفكار والتوجهات والتجارب العالمية وفي الوقت نفسه نعرف مواطن الضعف وجوانب القوة فيها.
العولمة: الليبرالية الكونية والفكر الواحد

الكتاب: " العولمة: الاتصال/العالم، تطرف الليبرالية الكونية والفكر الواحد"
المؤلف: يحيى اليحياوي
249 ص، البوكيلي للطباعة والنشر، القنيطرة 1998

صدر عن دار البوكيلي للطباعة والنشر مؤخرا كتاب قيم، للباحث المغربي يحيى اليحياوي باللغة الفرنسية، تحت عنوان "العولمة: الاتصال/العالم، تطرف الليبرالية الكونية والفكر الواحد".
ونظرا لطبيعته الظرفية التي طغى عليها مصطلح العولمة ليصبح العملة الرائجة، وكذلك لما يتضمنه الكتاب من معطيات هامة وتحاليل معمقة، فقد ارتأينا تقديمه للقارئ، على أمل أن نستضيف الباحث اليحياوي في عدد قادم ليغني الحوار ويجيب عن العديد من الأسئلة المعلقة بخصوص العولمة.

ما معنى العولمة؟ ما هي المدلولات الخفية التي تختزنها دون أن تبوح بها؟ هل هناك استراتيجية مواجهة أو استعداد قبلي من لدن الدول السائرة في طريق النمو لمواجهة هذا المد الجارف؟
الحقيقة أن المرء سيصاب بالذهول والانهيار لهذا التراكم التساؤلي. فالكل يتحدث بصيغة اليقين عن العولمة. ما أن تقع أزمة أو مصيبة إلا وتلصق بجرة قلم طائشة للعولمة. ولحد الآن لم يتفق البعض على تحديد تعريف مدقق، في حين اكتفى البعض الآخر بتصنيفها في خانة آخر صيحات الليبرالية. فبعد الحداثة والخوصصة فسح المجال للعولمة.

والأدهى في الأمر أن بعض "كتاب المناسبات" الذين يعرفون من أين تؤكل الكثف فيصنعون كتبا مهيأة للاستهلاك السريع، تستغل حالة الدهشة المستبدة برؤوس العديد من المواطنين، وهي للأسف الشديد كتابات عوض أن تحل الإشكال فتفسر وتوضح المسألة، زادت في تعقيدها وألبستها زيا غريبا أغرقها في الغموض. والسبب ببساطة يعود إلى لعبة التطاول التي أبدع فيها البعض.

لكن في خضم هذه الفوضى الكتابية، انبثق مؤلف جديد للباحث المغربي يحيى اليحياوي، وهو للإشارة لم يكمل بعد ربيعه السادس والثلاثين، من مواليد إقليم سيدي قاسم، خريج كل من جامعة محمد الخامس، شعبة العلوم الاقتصادية 1986 قبل أن ينتقل سنة 1987 إلى المدرسة الوطنية العليا للبريد والاتصالات بباريس، وفي رصيده أربعة مؤلفات وهي:
+ "الاتصالات في محك التحولات: الدولة، الاحتكار، اللاتقنين والمنافسة" سنة 1995 وبه أحرز على جائزة المغرب للكتاب.
+ "الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال"، بالعربية سنة 1997
+ "رياح الليبرالية ومنطق الخوصصة"، بالفرنسية سنة 1996.
وأخيرا الكتاب الذي نحن بصدد تقديمه. وهي كتب تسير في نسق واحد: الاتصالات، الرهانات التي تطرحها التكنولوجيا الجديدة، الخوصصة ودور الدولة وأخيرا وضعية العالم العربي أمام هذه التحديات.

وميزة اليحياوي أنه يجمع في أسلوب ونمط كتابته المبسط طبيعة المتخصص الذي لا يكتفي بما في جعبته من زاد تقني ومعلوماتي، بقدر ما يرفد من ينابيع علمية أخرى اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، أي يتسلح بالنظرة الشمولية للظاهرة.

للوهلة الأولى ومن خلال صدمة العنوان "العولمة: الاتصال/العالم، تطرف الليبرالية الكونية والفكر الواحد" يمكن أن ترتسم جملة تصورات، أي أن العالم يسير بخطى حثيثة نحو التحقيق الفعلي لتكهنات الباحث الكندي مارشال ماكلوهان عن القرية الكونية، وعن الليبرالية في أقصى مظاهرها خصوصا بعد سقوط حائط برلين وما تبعه من انهيار للبناء الشيوعي، مشرعا الطريق أمام الأحادية القطبية في ظل منطق السوق، وليعيد الطريق بدوره نحو الفكر الأحادي.
أي أن التنوع الذي كانت تتغنى به البشرية كموروث حضاري سينقلب في سياق لعبة التنميط إلى مفاهيم متقاربة ومتشابهة حتى لا نقول مستنسخة.

يقع الكتاب في 249 صفحة قدم له الأستاذ ريكاردو بتريلا، الأستاذ بالجامعة الكاثوليكية بلوفان، رئيس مجموعة لشبونة ومسؤول برنامج " فاست" السابق باللجنة الأوروبية المكلف بتقييم سياسات العلم والتكنولوجيا.

والكتاب عبارة عن مساءلة لظاهرة ومصطلح العولمة المروج لهما باستمرار خلال السنين الأخيرة، في علاقتهما بثورة الاتصال وتزايد البعد الكوني لليبرالية الجديدة وأيضا في تزامنهما وشيوع إيديولوجية الفكر الواحد.

يقول الأستاذ بتريلا في تقديمه للكتاب "إنه لمن المهم أن نسجل أن يحيى اليحياوي لم يحصر اهتمامه في تحليل نتائج العولمة الحالية ليؤكد كباحث من إحدى الدول السائرة في طريق النمو، على الآثار السلبية والنتائج الوخيمة على اقتصاد الدول الضعيفة والأقل تقدما على وجه الأرض. وهو أمر يمكن أن نفهمه، لكنه يبقى محط تشكيك من وجهة النظر العلمية والتحليلية.
إن الانتقادات الموجهة من المؤلف للعولمة الحالية مستقاة من الخطاب الذي يقترحه متبنو قوى العالم المتقدم أنفسهم...".

لقد حان الوقت يقول بتريلا "لاعتماد أبحاث عن العولمة الأخرى من قبيل كتاب 'العولمة: الاتصال/العالم، تطرف اللليبيرالية الكونية والفكر الواحد'. فالمستقبل يراهن على التضامن بين الأفراد والمدن والمجتمعات والثقافات لا على المخربين المتنافسين الذين لا فضل لهم يذكر إلا ما تعلق باستغلال خيرات الكون لإزاحة الآخرين وليبقوا المنتصرين الأقوياء الوحيدين".
كيف نتعامل مع العولمة
وأول الطرق للتعامل مع أي قضية أو مشكلة هي دراستها، أي طلب العلم فيها. ولا يمكن أن تكون قراءة الجرائد اليومية وبعض المقالات الجانبية هي المصدر الوحيد لهذه الدراسة، ولن تستطيع أي جهة جادة التعامل مع القضية بمعلومات من مصادر مثل ذلك. بل يجب أن تدرس العولمة بمنتهى الجدية، وبناء عليه تأتي كل جهة أو يأتي كل فرد بالحلول والمخارج التي تناسبه.
نأمل في أن يلخص كل مختص وقارئ معلوماته الدقيقة والمحايدة والمنتجة أو النافعة في قضية العولمة، ثم يضعها في هذا القسم لاحقاً. وحتى ييسر الله ذلك للجميع، هذه بعض المصادر التي قد تساعد القارئ على فهم قضية العولمة أكثر، باللغة العربية والإنجليزية:
العولمة من منظور إسلامي للكاتب والمفكر الإسلامي د. محسن عبد الحميد
In Defense of Globalization by the Indian writer & professor Jagdish Bhagwati
Globalization and Religion: Some Reflections
Globalization, Multi-lateralism and the Islamic World
العولمة: قضية مثيرة للجدل
وبسبب تلك الاختلافات في المعنى، وكون العولمة سلاحاً ذا حدين، أو عملية لها مميزات عظيمة وعيوب خطيرة في نفس الوقت، أصبحت العولمة موضوعاً خلافياً ومثيراً للجدل في شتى أنحاء العالم؛ أيضاً زادت الأفكار الخاطئة وانتشر التشوش عن الموضوع. وبسبب عيوب الإنسان خاصة قلة الاعتدال، انقسم معظم الناس في العالم إلى قسمين:
قسم يشجع الفكرة ويرى فيها كل خير وإيجابية ولا يرى عيوباً على الإطلاق أو يرى عيوباً ويقرر بصورة حاسمة أن التغلب عليها كلها يسير؛ ومعظم هذا القسم من الدول المتطورة والغنية.
وقسم يشجب ويعارض الفكرة بتعصب ولا يرى فيها إلا كل سلبية وشر وجشع وظلم؛ ومعظم هذا القسم من الدول الفقيرة والنامية.
أهم ما يمكن قوله في قضية العولمة هي أنها فكرة في حد ذاتها ليست إيجابية وليست سلبية. أي أنها ببساطة فكرة، لها تعريفها الخاص، ويمكن استخدامها في الخير أو في الشر. ومن دلائل ذلك هو أن مثلاً المسلم الذي يدرس العولمة دراسة تفصيلية، قد ينتهي به الأمر إلى أن يتمنى من قلبه لو اتحدت البلدان الإسلامية، ثم بدأت الأمة الإسلامية المتحدة في تطبيق العولمة، لما سيكون له ذلك من الأثر الإيجابي على نشر الإسلام وإفشاء السلام في العالم. ونفس المثال ينطبق على المسيحي المتدين، والصيني الوطني، والأمريكي الوطني، وهكذا.
إذن فإن المشكلة أو الخطر ليس في قضية العولمة نفسها كفكرة أو عملية، بل في كيفية تطبيقها وفي عيوب الإنسان نفسه التي قلما من استطاع التغلب عليها، مثل الطمع أو الجشع وما فيه من ظلم الغير والحب الشديد للمال وحب القوة والتسلط والتحكم، وغيرها من عيوب الإنسانية التي لا يمكن التغلب عليها إلا بطاعة الله واتباع المنهج الذي وضعه للإنسانية، والذي ختم بإرسال محمد رسول الله—صلى الله عليه وسلم—والقرآن.
والخوف الرئيسي من تطبيق العولمة اليوم في بداية القرن الحادي والعشرين، قد يكون من أسبابه الرئيسية هو تسلط أمريكا كدولة عظمى في الوقت الحالي، على بقية دول العالم، واتباع سياسات ظالمة للغير، وعدم احترام أي من القوانين الدولية. ومن هذا المنظور قد نظن أن معارضة العولمة قد تكون السياسة المثلى إلى أن يأمن الضعيف والفقير في هذا العالم على نفسه وماله ودمه، من الدول الأقوى والأغنى—خاصة أمريكا في الوقت الحالي.
ولكن هناك الكثير ممن يدافعون عن العولمة. والدول الأقوى—خاصة أمريكا، مع المؤسسات العملاقة التي تؤثر في اقتصاد العالم كله—مثل مايكروسوفت وهي أيضاً في أمريكا، قد تجبر كل دول العالم، بشركاتها ومؤسساتها المحلية، على الخضوع لقوانين العولمة الجديدة. وإن قاومت بعض الدول سياسياً، فإن الشعوب والمؤسسات والشركات لن تستطيع أن تقاوم اقتصادياً. هذا غير أن العولمة هي عملية ماضية في طريقها بدون توقف بالفعل، إن لم يكن سياسياً، فاقتصادياً وثقافياً بطريقة مكثفة. ومن كل ذلك قد نستنتج أن شجب ومعارضة الفكرة قد لا تكون الطريقة المثلى للتعامل مع قضية العولمة. يجب أن تتبع الشعوب والدول والمؤسسات سياسات أخرى من أجل جعل التأثيرات السلبية عليها في الحد الأدنى.
إضافات من آخرين:
وتواجه العولمة مقاومة قوية جدا في مختلف مناطق العالم وخصوصا في أوروبا والدول النامية. إذ أنها قد تؤثر سلبا على إمكانيات نمو اقتصاديات محلية في ظل غياب التوازن بين الدول المتقدمة والفقيرة. كما يتهمها الكثيرون بأنها تذيب الثقافات المحلية وتجير العالم في خدمة القوي، ويعتبرون أن الولايات المتحدة الأمريكية تهيمن على العالم اقتصاديا من خلال فرض سيطرتها الاقتصادية والعسكرية من خلال ما يسمى بالعولمة، وبهذا المعنى ينتفي القول بأن "العالم تطور ليصبح قرية صغيرة"، ليصبح "العالم تأخر ليصبح إمبراطورية كبيرة"—في إشارة لتجدد الحلم الامبراطوري الذي عاصرته الحضارة الانسانية في عصور سابقة.