الأحد، 3 مايو 2009

[b]بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاتهإن مسألة البحث والتحليل وتوضيح معنى العولمة ليس مجرد مسألة معرفية ، مجردة، فحسب ، لان معرفة علمية بواقع (العولمة) أضحت ضرورة سياسية واقتصادية لتوضيح الأساليب والوسائل الجديدة للدفاع عن مصالح الشعوب العالمثالثية ومنها شعبنا العربي ، في وجه أنظمة العولمة الأكثر حداثة في السيطرة والاستغلال والأكثر شراسة في انطلاق التوحش الرأسمالي في أعلى قدراته من حيث استخدام أرقى منجزات العلم والتكنولوجيا والمعلوماتية وشبكات الاتصال ، بهدف أساسي : استثمار شعوب العالم وتحويل كل قدراتها إلى مؤسسات هائلة تملكها شركات محدودة العدد ، تسيطر على كوكب الأرض والفضاء الخارجي والحكومات. العولمة هي التداخل الواضح لأمور السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة ، أو الانتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة، ودون حاجة إلى إجراءات حكومية . فالعولمة هي إكساب الشيء طابع العالمية ، وجعل نطاقه وتطبيقه عالمياً . على المستوى الاقتصادي ، تفترض العولمة أن العمليات والمبادلات الاقتصادية تجري على نطاق عالمي ، بعيداً عن سيطرة الدولة القومية . بل : إن الاقتصاد القومي يتحدد بهذه العمليات . وهذا الوضع مغاير تماماً ، لما كان عليه الحال في السابق ، حين كانت الاقتصادات القومية هي الفاعلة ، أما الاقتصاد العالمي فهو ثمرة تفاعلاتها . أضحت ظاهرة العولمة الهاجس الطاغي في المجتمعات المعاصرة ، فهي تستقطب اهتمام الحكومات والمؤسسات ومراكز البحث ووسائل الإعلام . وتعاظم دور العولمة وتأثيرها على أوضاع الدول والحكومات وأسواقها وبورصاتها ومختلف الأنشطة الاقتصادية فيها . ما هي العولمة ؟ وما هي الآثار الاقتصادية للعولمة على البلدان العربية ؟ هذا ما تحاول الدراسة الإجابة عليه . ما هي العولمة ؟1 ـ هل هي ثورة المعلوماتية الكونية ؟ أم أوتوستراد المعلوماتية ؟2 ـ هل هي ثورة الاتصالات والمواصلات الفائقة السرعة ؟ أم الإنترنت ؟ 3 ـ هل هي من إفرازات ثورة المعلوماتية وما يرافقها من تطور في مجال الاتصال والإعلام ؟4 ـ هل تعني أن العالم قرية واحدة ؟5 ـ هل هي تسارع حركة التبادل التجاري وحريتها ، وتضخيم حجمها بأرقام فلكية على مستوى العالم كله ؟6 ـ هل تشمل مجال المال والتسويق والمبادلات والإنتاج ؟7 ـ هل هي توحيد الاستهلاك وخلق عادات استهلاكية على نطاق عالمي ؟ 8 ـ هل هي الغزو الثقافي والدفق الآتي عبر الشاشات المختلفة ؟ 9 ـ هل هي الاستعمار ؟ أم الإمبريالية ؟ أم ما بعد الاستعمار ؟10 ـ هل هي هيمنة القطب الواحد على النظام العالمي؟ 11 ـ هل هي أمركة العالم ؟ كما قال أحد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية: (قدرنا أمركة العالم) 12 ـ هل هي الانتقال الفكري والعلمي والمعرفي بين الشعوب؟ 13 ـ أم هي كل ما ورد أعلاه مجتمعاً ؟! وهل هي نعمة أم نقمة؟
مصطفى العبد الله الكفري الحوار المتمدن - العدد: 543 - 2003 / 7 / 17 4.8 / 5 Rate this article More from same author -->
العولمة - المفهوم والمصطلح
توضيح معنى العولمة ليس مجرد مسألة معرفية

إن مسألة البحث والتحليل وتوضيح معنى العولمة ليس مجرد مسألة معرفية ، مجردة، فحسب ، لان معرفة علمية بواقع (العولمة) أضحت ضرورة سياسية واقتصادية لتوضيح الأساليب والوسائل الجديدة للدفاع عن مصالح الشعوب العالمثالثية ومنها شعبنا العربي ، في وجه أنظمة العولمة الأكثر حداثة في السيطرة والاستغلال والأكثر شراسة في انطلاق التوحش الرأسمالي في أعلى قدراته من حيث استخدام أرقى منجزات العلم والتكنولوجيا والمعلوماتية وشبكات الاتصال ، بهدف أساسي : استثمار شعوب العالم وتحويل كل قدراتها إلى مؤسسات هائلة تملكها شركات محدودة العدد ، تسيطر على كوكب الأرض والفضاء الخارجي والحكومات.
العولمة هي التداخل الواضح لأمور السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة ، أو الانتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة، ودون حاجة إلى إجراءات حكومية . فالعولمة هي إكساب الشيء طابع العالمية ، وجعل نطاقه وتطبيقه عالمياً .
على المستوى الاقتصادي ، تفترض العولمة أن العمليات والمبادلات الاقتصادية تجري على نطاق عالمي ، بعيداً عن سيطرة الدولة القومية . بل : إن الاقتصاد القومي يتحدد بهذه العمليات . وهذا الوضع مغاير تماماً ، لما كان عليه الحال في السابق ، حين كانت الاقتصادات القومية هي الفاعلة ، أما الاقتصاد العالمي فهو ثمرة تفاعلاتها .
أضحت ظاهرة العولمة الهاجس الطاغي في المجتمعات المعاصرة ، فهي تستقطب اهتمام الحكومات والمؤسسات ومراكز البحث ووسائل الإعلام . وتعاظم دور العولمة وتأثيرها على أوضاع الدول والحكومات وأسواقها وبورصاتها ومختلف الأنشطة الاقتصادية فيها . ما هي العولمة ؟ وما هي الآثار الاقتصادية للعولمة على البلدان العربية ؟ هذا ما تحاول الدراسة الإجابة عليه .
ما هي العولمة ؟
1 ـ هل هي ثورة المعلوماتية الكونية ؟ أم أوتوستراد المعلوماتية ؟
2 ـ هل هي ثورة الاتصالات والمواصلات الفائقة السرعة ؟ أم الإنترنت ؟
3 ـ هل هي من إفرازات ثورة المعلوماتية وما يرافقها من تطور في مجال الاتصال والإعلام ؟
4 ـ هل تعني أن العالم قرية واحدة ؟
5 ـ هل هي تسارع حركة التبادل التجاري وحريتها ، وتضخيم حجمها بأرقام فلكية على مستوى العالم كله ؟
6 ـ هل تشمل مجال المال والتسويق والمبادلات والإنتاج ؟
7 ـ هل هي توحيد الاستهلاك وخلق عادات استهلاكية على نطاق عالمي ؟
8 ـ هل هي الغزو الثقافي والدفق الآتي عبر الشاشات المختلفة ؟
9 ـ هل هي الاستعمار ؟ أم الإمبريالية ؟ أم ما بعد الاستعمار ؟
10 ـ هل هي هيمنة القطب الواحد على النظام العالمي؟
11 ـ هل هي أمركة العالم ؟ كما قال أحد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية: (قدرنا أمركة العالم)
12 ـ هل هي الانتقال الفكري والعلمي والمعرفي بين الشعوب؟
13 ـ أم هي كل ما ورد أعلاه مجتمعاً ؟! وهل هي نعمة أم نقمة؟

ثمة فارق بين العالمية International وبين العولمة Globalization ، لذلك لابد من التفريق بين العالمية والعولمة . [1]
أولاً - المفهوم والمصطلح :
لقد استخدمت مفردات متعددة للتعبير عن ( العولمة ) . على أن الكلمة الأكثر شيوعاً واستخداماً في هذا المجال هي Globalization وقد أخذت من كلمة Globe ومعناها : الكرة الأرضية ، الأمر الذي جعل البعض يترجمها إلى (الكونية) . وهناك من استخدم كلمة Mondialization من اللفظة الفرنسية Monde وتقابل بالإنكليزية World Universe . وهناك من استعمل مصطلح ( الشوملة ) وهي من (الشمولية )Totalitarianism .
ومن الواضح والجدير بالإشارة معاً أن هذا المصطلح شاع في الوطن العربي وذاع وانتشر في الخطاب السياسي وفي وسائل الإعلام المختلفة ، شأن الكثير من المصطلحات الغربية ـ الأوروبية والأمريكية ـ الأكثر انتشاراً وتأثيراً على مجمل النشاط السياسي العالمي . مثلما شاع مصطلح ( الخصخصة) في السنوات الأخيرة أيضاً وترافق معه . وراح كل متحدث أو كاتب في شأن من الشؤون الاقتصادية يطلقه في معرض الإشارة إلى عملية تحويل مشاريع القطاع العام والمنشآت الاقتصادية التابعة لدولة ما من دول العالم الراهن ، إلى شركات خاصة يديرها أفراد من أبناء هذه الدولة نفسها أو من يشاركهم في إدارتها من خارجها .
ويعرّف الدكتور إسماعيل صبري عبد الله العولمة والتي يفضل أن يستخدم مكانها مصطلح الكوكبة على أنها: ( التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة ودون حاجة إلى إجراءات حكومية) . [2] ولا أعلم لماذا ابتعد الدكتور إسماعيل صبري عبد الله عن المفهوم الدقيق للعولمة ؟ والذي يعني هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي وانتشاره بعمق ، لا بل هيمنة النمط الأمريكي ، سيما وهو يقر بأن الرأسمالية كنمط إنتاج تتغير ملامحها وأساليبها في الاستغلال عبر الزمن. كما انه يربط بين نشأة العولمة وانتشار الشركات متعددة الجنسية .
على المستوى الاقتصادي ، تفترض العولمة أن العمليات والمبادلات الاقتصادية تجري على نطاق عالمي ، بعيداً عن سيطرة الدولة القومية . بل : إن الاقتصاد القومي أو الوطني يتحدد بهذه العمليات . وهذا الوضع مغاير تماماً ، لما كان عليه الحال في الإطار السابق ، حين كانت الاقتصادات القومية هي الفاعلة ، أما الاقتصاد العالمي فهو ثمرة تفاعلاتها. [3]
" العولمة وفقاً لهذا التحليل ، هي إذن وصول نمط الإنتاج الرأسمالي ، عند منتصف هذا القرن تقريباً إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول ، إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها ، أي أن ظاهرة العولمة التي نشهدها هي بداية عولمة الإنتاج والرأسمال الإنتاجي وقوى الإنتاج الرأسمالية ، وبالتالي علاقات الإنتاج الرأسمالية أيضاً ، ونشرها في كل مكان مناسب وملائم خارج مجتمعات المركز الأصلي ودوله . العولمة بهذا المعنى هي رسملة العالم على مستوى العمق بعد أن كانت رسملته على مستوى سطح النمط ومظاهره، قد تمت . بعبارة أخرى ، أن ظاهرة العولمة التي نعيشها الآن هي طليعة نقل دائرة الإنتاج الرأسمالي ـ إلى هذا الحد أو ذاك ـ إلى الأطراف بعد حصرها هذه المدة كليا في مجتمعات المركز ودوله . في الواقع لان عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق بلغت حد الإشباع بوصولها إلى أقصى حدود التوسع الأفقي الممكنة وشمولها مجتمعات الكرة الأرضية كلها ـ باستثناء جيوب هنا وهناك ـ كان لابد لحركية نمط الإنتاج الرأسمالي وديناميكيته من أن تفتح أفقاً جديداً لنفسها وان تتجاوز حدوداً بدت ثابتة سابقاً، عن طريق نقلة نوعية جديدة بدورها تأخذ الآن الشكل المزدوج لعولمة دائرة الإنتاج ذاتها ونثرها في كل مكان مناسب تقريباً على سطح الكرة الأرضية ، من ناحية وإعادة صياغة مجتمعات الأطراف مجدداً ، في عمقها الإنتاجي هذه المرة ، وليس على سطحها التبادلي التجاري الظاهر فقط ، من ناحية ثانية ، أي إعادة صياغتها وتشكيلها على الصورة الملائمة لعمليات التراكم المستحدثة في المركز ذاته ". [4]
وإذا كان الفكر الليبرالي الجديد Neoliberal هو الناظم الجوهري " للعولمة " فإن الليبرالية الجديدة تتجه الآن ضد الدولة القومية نفسها ، كأداة ضبط وتنظيم ، أي أداة تدخل ولجم على الصعيد القومي وعلى الصعيد العالمي ، والفكرة المطروحة حالياً إن الرأسمالية تنشط الآن على المستوى الكوني ، مديرة حركة رأس المال ، والخدمات والسلع وبالطبع العمل . [5] وهكذا فإن الاقتصاد المعولم يقع خارج نطاق تحكم الدولة القومية ، مما يزيد في إمكانات الصراع والتنافس ، ويريد من دور الشركات متعددة الجنسية ويحولها إلى شركات فوق قومية Trans – Nation ورأسمال طليق بلا قاعدة وطنية محددة وبإدارة عالمية . ويبدو أن "العولمة " لم تفقد الدولة القومية الكثير من وظائفها كناظم وضابط اقتصادي فحسب، بل إن انتهاء الحرب الباردة ، من جانب ثان ، ساهم مع العولمة في تقليص وظائف الدولة العسكرية ـ الأمنية … إلى حد غير قليل . [6]
وقد أشار أحد الباحثين العرب المعروفين بالقول إنه إذا صدرت الدعوة إلى العولمة من بلد أو جماعة فإنها تعني إعمام نمط من الأنماط التي تخص ذلك البلد أو تلك الجماعة وجعله يشمل الجميع : العالم كله ، وإنه طالما صدرت هذه الدعوة من الولايات المتحدة الأمريكية ، فإن الأمر يتعلق بالدعوة إلى تعميم النموذج الأمريكي ، وفرضه وفسح المجال له ليشمل العالم كله . مما يعني أن العولمة الثقافية التي راحت تصل إلى أي مكان ، كل مكان تقريباً ، على وجه كرتنا الأرضية ، عبر وسائل الإعلام التي تتحكم الولايات المتحدة بمعضمها (خمسة وستين بالمائة من مجموع المادة الإعلامية في العالم) ، ستقود بالنتيجة المتوخاة إلى قطع الصلة شيئاً فشيئاً بين الإنسان ومجتمعه ووطنه ، والقفز فوق الوطن عبر صيغة العولمة هذه، وهذا ما يجب أن يرفضه العرب ، ويجب أن يفعلوا . لقد رفضه المثقفون الأوروبيون قبلهم انطلاقاً من فكرة تقول بتعارض العولمة مع التعددية الحضارية ومع صلة الإنسان بوطنه وضرورة توحد المجتمع الأوروبي ضد العولمة بصيغتها الأمريكية . [7]
يقول الأمريكي توم فريدمان: " نحن أمام معارك سياسية وحضارية فظيعة ، العولمة هي الأمركة ، والولايات المتحدة قوة مجنونة ، نحن قوة ثورية خطيرة ، وأولئك الذين يخشوننا على حق . إن صندوق النقد الدولي قطة أليفه بالمقارنة مع العولمة . في الماضي كان الكبير يأكل الصغير ، أما الآن فالسريع يأكل البطيء ". [8]
ولكن العولمة بالمفهوم المعاصر ( الأمركة ) ليست مجرد سيطرة وهيمنة والتحكم بالسياسة والاقتصاد فحسب ، ولكنها أبعد من ذلك بكثير، فهي تمتد لتطال ثقافات الشعوب والهوية القومية والوطنية ، وترمي إلى تعميم أنموذج من السلوك وأنماط أو منظومات من القيم وطرائق العيش والتدبير، وهي بالتالي تحمل ثقافة ( غربية أمريكية ) تغزو بها ثقافات مجتمعات أخرى ، ولا يخلو ذلك من توجه استعماري جديد يتركز على احتلال العقل والتفكير وجعله يعمل وفق أهداف الغازي ومصالحه. وأكد ذلك الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش حين قال بعد انتهاء حرب الخليج الثانية : " إن القرن القادم سيشهد انتشار القيم الأمريكية وأنماط العيش والسلوك الأمريكي " . [9]
ولا مكان للدول النامية عامة والعربية خاصة … في ( العولمة ) إلا في الاتجاه السالب، أي تأثيرها عليها وتأثرها بها. ومع ذلك فنحن بهذا المعنى معولمون منذ زمان بعيد اقتصادياً وثقافياً … وسياسياً في بعض الأحيان . [10]
ثانياً - ملامح العولمة في الاقتصاد العالمي: يمكننا تحديد أهم ملامح العولمة الاقتصادية من خلال المظاهر التالية:
ـ الاتجاه المتزايد نحو التكتل الاقتصادي للاستفادة من التطورات التقنية الهائلة .ـ تنامي دور الشركات متعدية الجنسية ( عبر القومية ) وتزايد أرباحها واتساع أسواقها وتعاظم نفوذها في التجارة الدولية وفي الاستثمار .
ـ تزايد دور المؤسسات المالية الدولية بشكل مباشر وبخاصة في تصميم برامج الإصلاح الاقتصادي وسياسات التثبيت والتكيف الهيكلي في الدول النامية (والتحول إلى اقتصاد السوق).
ـ تدويل بعض المشكلات الاقتصادية مثل الفقر ، التنمية المستدامة ، السكان والتنمية ، التنمية البشرية ، التلوث وحماية البيئة ، والتوجه العالمي لتنسيق عمليات معالجة هذه المشكلات والتعاون في حلها .
ـ تعاظم دور الثورة التقنية الثالثة وتأثيرها في الاقتصاد العالمي ( التغيرات السريعة في أسلوب الإنتاج ونوعية المنتج ) .
ـ بروز ظاهرة القرية العالمية ، وتقليص المسافات نتيجة لتطور وسائل النقل والمواصلات وزيادة الاحتكاك بين الشعوب .
ـ تطور وسائل الإعلام وتأثيرها على طبيعة البشر وتطلعاتهم وسلوكهم ،واثر ذلك على اختلاط الحضارات والثقافات .
ـ تعاظم دور المعلوماتية ، والإدارة ، والمراقبة من إدارة نظم المعلومات .
والعولمة الاقتصادية أخذت أبعادها في المرحلة الراهنة بانتصار القوى الرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، وانهيار الاتحاد السوفيتي والأنظمة الاشتراكية في دول أوروبا الشرقية ، فاستعاد النظام الاقتصادي الاجتماعي الرأسمالي هيمنته وانتشاره بدينامية جديدة مؤسسة على اقتصاد السوق والموجة الثالثة ( ثورة المعلوماتية ) وإدماج القسم الأعظم من الاقتصاديات الوطنية بالسوق الرأسمالية العالمية ، بحيث أصبحت هذه الاقتصادات أسيرة لمفاهيم السوق والمنافسة الاحتكارية التي تتحكم فيها القمم الاقتصادية العملاقة ، متخطية الحدود والقيود ، مستندة إلى قوى السوق وبأشراف مؤسسات العولمة الاقتصادية الثلاث ، صندوق النقد الدولي ، البنك الدولي للإنشاء والتعمير ، المنظمة العالمية للتجارة خليفة اتفاقيات " الغات ".

أهم مؤشرات الأغنى والأفقر بين دول العالم حسب المجموعات لعام 1997
البيان
مجموعة الدول الأغنى
20 % من سكان العالم
مجموعة الدول الوسط
60 % من سكان العالم
مجموعة الدول الأفقر
20 % من سكان العالم
إجمالي الناتج المحلي العالمي
86 %
13 %
1 %
إجمالي صادرات العالم
82 %
17 %
1 %
الاستثمار المباشر في العالم
68 %
31 %
1 %






مقارنة لتوضيح كيف يزداد الفقر والغنى بين دول العالم
البيان
1960
1994
حصة الـ 20% الأكثر فقراً من اصل العائدات الإجمالية للعالم
2.3
1.1
الفارق بين الـ20%الأكثر ثراء في العالم والـ20%الأكثر فقراً
30 إلى 1
78 إلى 1
حصة الـ 20% الأعلى من الدخل العالمي
70%
85%
حصة الباقي
30%
15%

تمثل العولمة التي يشهدها الاقتصاد العالمي تحدياً خارجياً وخطيراً للبلدان العربية واقتصادياتها. فالوطن العربي مراقب ومهدد في نفس الوقت، يعيش مرحلة من التناحر والتآكل والتهميش فاقداً لأية استراتيجية اقتصادية سياسية دينامية للدفاع أو للهجوم. أن عمليات الضغط والإضعاف التي تستهدف وطننا العربي من اجل زعزعة استقراره وتعطيل مؤهلاته حتى لا يبقى أمامه سوى الاندماج السلبي في آليات العولمة وبالصيغة التي يعرفها الأقوياء تحت اسم التدويل الشامل للاقتصاد أو " العولمة الاقتصادية " [11]

أستاذ بكلية الاقتصاد - جامعة دمشق
الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

العولمة بين المعنى المعلن والمعنى الخفي
د. ناصح البقمي

مصطلح العولمة من أكثر المصطلحات المعاصرة انتشاراً وغموضاً في الوقت نفسه. ولذلك يتساءل كثير من الناس عن معنى هذا المصطلح؛ هل هو جعل الأنظمة السياسية الموجودة في العالم على نمط سياسي واحد؟ أم فتح الأسواق وإلغاء القيود والحواجز الاقتصادية بين الدول ؟ أم تصدير ثقافة معينة ينبغي لها أن تسيطر وتفوق غيرها من الثقافات ؟ أم أن العولمة هي كل ما تقدم، بل وربما أكثر ؟
ثم يأتي السؤال الأهم وهو: ما حكم العولمة في الإسلام ؟ وما موقف المسلمين منها ؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، عُقدت كثير من المؤتمرات والندوات والمحاضرات، بغية تجلية هذا الأمر وبيان الموقف منه. إلا أن ما قدم فيها ـ وبخاصة العولمة الاقتصادية ـ كان يعاني أمرين: إما طرح الموضوع والتعمق فيه من الناحية الاقتصادية دون بيان الحكم الشرعي، أو طرح إسلامي عام لا يضع النقاط على الحروف.
فلا يبين الحكم الشرعي بعد دراسة الظاهرة دراسة وافية، ولا يطرح حلولا تفصيلية وسياسات شرعية يمكن تطبيقها في الواقع. فمعظم الكتابات الإسلامية التي صدرت اتسمت بالعمومية وعدم التعمق، حيث اشتملت على أحكام متعجلة وتوصيات أقرب إلى التمنيات منها إلى الحلول والسياسات، باستثناء بعض الرسائل العلمية القليلة جدا التي تناولت أجزاء يسيرة من هذا الموضوع الضخم. ولا شك أن تشعب الموضوع وتعقيده قد حال دون الوصول إلى المقصود.
وإسهاماً مني في تجلية هذا الأمر، فقد بحثت هذا الموضوع، من ناحية معنى العولمة بعامة والعولمة الاقتصادية بخاصة، وأهدافها، وأدواتها، وأسباب بروزها، وآثارها الاقتصادية في الدول الإسلامية، ومنظماتها التي تخطط لها وتطبقها على شكل سياسات في الدول النامية وهي: البنك الدولي للتعمير والتنمية، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.
وقد بينت حكم تلك السياسات في الشريعة الإسلامية وطرحت سياسات شرعية يمكن أن يستغنى بها عن سياسات تلك المنظمات في حالة معارضتها للشريعة الإسلامية، أما سياساتها الموافقة للشريعة فيمكن الأخذ بها إذا اقتضى الأمر.
والعولمة "Globalization" لفظة إنجليزية حديثة المنشأ، لا يجدي البحث عنها في المعاجم العربية. بل لا بد من الرجوع إلى المعاجم والقواميس الأجنبية لمعرفة المقصود بها.
وبالرجوع إلى بعض تلك المعاجم وجدت أن أصل اللفظة هو " Globe " ويعني: كرة، أو الكرة الأرضية، أو كرة يعلوها صليب ترمز إلى سلطة الملك وعدالته. والصفة منها " Global " وتعني: كروي، أو عالمي، أو شامل. أما الاسم وهو " Globalization " فيعني ما يلي:
"worldwide in scope or application To make global ;esb.to make ":
أي أن العولمة هي إكساب الشيء طابع العالمية، وبخاصة جعل نطاق الشيء أو تطبيقه عالميا. ويلاحظ على صيغة " zation ـ " في لفظة "Globalization" أنها تفيد وجود فاعل يفعل، فليس الأمر عفويا.
وقد ترجمت اللفظة الإنجليزية "Globalization " إلى ثلاثة ألفاظ عربية هي: " العولمة " و"الكوكبة "و" الكونية ". وقد انتشرت اللفظة الأولى على لسان كثير من الكتاب والمفكرين، وإن كان بعضهم يعترف بأن لفظة " الكوكبة " أدق من لفظة " العولمة "؛ لأن لفظة العولمة اشتقاق من "عالم " الذي يقابل " World " وليس من " الكوكب " الذي يقابل "Globe".
وقد اختلفت التعريفات الاصطلاحية للعولمة، باختلاف توجهات وأفكار من يعرَّفونها، قبولا أو رفضا. فبينما يعرفها الغربيون بتعريفات تبدو محايدة وبراقة، يعرفها بقية المفكرين في الدول النامية وبخاصة المسلمين منهم، بتعريفات تصورها على أنها خطر داهم يجب التنبه له ومواجهته.
كما أن تعريفاتهم للعولمة قد اختلفت أيضا من شخص لآخر، بسبب تعقيدها وتشعبها وتعدد جوانبها، بل رأى بعضهم، عدم جدوى البحث عن تعريف جامع مانع، واكتفى بتحديد المعنى ومعرفة أبعاده ومضامينه.
فمن الفريق الأول ـ وهو المؤيد للعولمة ـ عرفها صندوق النقد الدولي بأنها " تزايد الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين بلدان العالم، بوسائل منها: زيادة حجم وتنوع معاملات السلع والخدمات عبر الحدود والمتدفقات الرأسمالية الدولية، وكذلك من خلال سرعة ومدى انتشار التكنولوجيا ".
ويؤخذ على هذا التعريف، أنه يحصر العولمة في المجال الاقتصادي ويهمل المجالين: السياسي، والثقافي. كما أنه يصور العولمة وكأنها ظاهرة تلقائية تحدث عفويا بين الدول، وليس خلفها جهات توجهها وتسيرها. وكما أن هذا هو المعنى المعلن للعولمة، أما المعنى الخفي فشيء غير ذلك.
ومن الفريق الآخر ـ وهو المعارض للعولمة ـ عرفها الأطرش بأنها " اندماج أسواق العالم في حقول التجارة، والاستثمارات المباشرة، وانتقال الأموال، والقوى العاملة، والثقافات، والتقانة، ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق، وتاليا خضوع العالم لقوى السوق العالمية، مما يؤدي إلى اختراق الحدود القومية، وإلى الانحسار الكبير في سيادة الدولة، وأن العنصر الأساسي في هذه الظاهرة، هي الشركات الرأسمالية الضخمة متخطية القوميات ".
وعرفها الدكتور الزنيدي بأنها: " ذلك التوجه وتلك الدعوة التي تسعى إلى صياغة حياة البشر في مختلف الأمم، وفق القيم والمسالك والأنماط الغربية ـ وبالدرجة الأولى الأمريكية ـ وتحطيم خصوصيات الأمم المختلفة، إما بالترغيب أو بالترهيب ". ثم ذكر أن هذا التعريف تلتقي فيه عامة التعريفات وإن اختلفت صياغاتها، وأن هذه الفكرة ليست جديدة، فإشاعة قيم الغرب، تدرجت من التغريب، إلى الحداثة، ثم إلى العولمة، فليس في الأمر شيء جديد. والراجح في معنى العولمة في نظري: هو ما ذكره المعارضون؛ وهو المعنى الخفي للعولمة. وملخص هذا المعنى أن العولمة هي نشر القيم الغربية الرأسمالية في العالم، وجعل العالم كله يسير وفقا للنموذج الغربي الرأسمالي في مجالات السياسة، والاقتصاد، والثقافة.

تصريف العولمة
العولمة ثلاثي مزيد، يقال: عولمة، على وزن قولبة، واللفظ مشتق من العالم، والعالم جمع لا مفرد له كالجيش والنفر، وهو مشتق من العلامة على ما قيل، وقيل: مشتق من العِلم، وذلك على تفصيل مذكور في كتب اللغة.
فالعولمة كالرباعي في الشكل فهو يشبه (دحرجة) المصدر، لكن (دحرجة) رباعي منقول، أما (عولمة) فرباعي مخترع ـ إن صح التعبير ـ.
فإن هناك جماعة من اللغويين يقولون بجواز اختراع ألفاظ وكلمات في اللغة العربية على وزان الألفاظ والكلمات الموجودة فيها، كما يقولون بجواز الزيادة والنقيصة على حسب الزوائد أو النقائص اللغوية الأخرى، مثل: صرف الباب الثلاثي إلى باب الانفعال، أو التفعيل، أو المفاعلة، أو الاستفعال، وكذلك أبواب الرباعيات ونحوها، فإنه كما يقال: عولمة، يقال: تعولمنا، وتعولمتُ، وتعولمتِ البلاد وهكذا، من قبيل تدحرجنا، وتدحرجتُ، وتدحرجتِ الكُرات وما أشبه ذلك.
العولمة لغة واصطلاحاً
إن العولمة على ما سبق مشتق من العالم، أي: صرنا عالميين، ومعنى العالمية: أن تتحد كل شعوب العالم في جميع أمورها على نحو واحد وهيئة واحدة في الجملة، فيكونوا كبيت واحد، وأسرة واحدة، فلا يكون هناك شعب فقير وشعب غني، ولا شعب اُمي وشعب مثقّف، ولا شعب تختلف اقتصادياته أو سياسياته أو ثقافياته أو اجتماعياته أو سائر شؤونه ـ كشؤون التربية والسلوك وما أشبه ذلك ـ عن شعب آخر، أي: كما كان عليه الحال قبل الآلة الحديثة، حيث الأسفار البعيدة، والاتصالات المنقطعة أو شبه المنقطعة، وإنما يكون الانتماء للعالم كلّه كالانتماء إلى دولة واحدة كلها، فكما يقال: بغدادي وبصري، يقال: عراقي ومصري، أو شرقي وغربي أو ما شابه ذلك، فإن البلاد وإن كانت مختلفة ولم يتصل بعضها ببعض، لكنّ الفكر يكون واحداً، والاتصال موجوداً، ويبقى الاختلاف قليلا وبشكل جزئي في بعض النقاط وفي المناطق الصغيرة من أطراف العالم.
أما الاختلاف في العالم وعلى نحو عام وكلي فلا يكون، حيث تتداخل السياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع وغير ذلك بعضها في بعض، وتؤثر جميعاً على حياة الانسان في الأرض أينما كانوا وحيثما حلوا ونزلوا، وذلك من دون اعتداد قابل للذكر بالحدود السياسية لدول ذات السيادة، أو الانتماء إلى وطن محدّد أو لدولة معيّنة، ومن دون حاجة إلى إجراءات حكومية خاصة، ولا إلى تعديل الإجراءات وتوحيدها أو تعديل الحكومات وتوحيدها، لأنها رغم كثرتها وتعددها تكون واحدة من حيث السلوك والأسلوب نوعاً ما، وإذا كان بينها اختلاف يكون الاختلاف عندها من نوع الاختلاف في الولايات، لا كالاختلاف في الدول.
إذن: العولمة التي أصبحت اليوم كلمة شائعة في العلوم الاجتماعية، ومستخدمة كثيراً في الأدب المعاصر، يمكن تعريفها بما يلي: إعطاء الشيء صفة العالمية، من حيث النطاق والتطبيق.
من تعاريف العولمة أيضاً
ولقد عرفوا العولمة بتعريف آخر، قالوا: (العولمة اسم شمولي مصطلح للدلالة على حقبة نفوذ تتميز بأدوات أوسع من الأدوات الاقتصادية، تهم الثقافة والحضارة حتى البيئة ـ مع احتفاظ الاقتصاد بعمودها الفقري ـ لديها قدرة التأثير على العالم، وذلك بغلبة من الرأسمالية الغربية التي تجتاح العالم وتسيطر على أسواقه المالية والفكرية).
وعرفوا العولمة بتعريف ثالث، قالوا: (العولمة هي الحركة الاجتماعية التي تتضمن انكماش البعدين: الزماني والمكاني، مما يجعل العالم يبدو صغيراً إلى حد يُحتّم على البشر التقارب بعضهم من بعض).
وعرفوها بتعريف رابع وهو: (التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسية والثقافة والسلوك، دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة، أو انتماء إلى وطن محدد، أو لدولة معينة، ودون حاجة إلى إجراءات حكومية).
فقالوا: إن المفهوم الدقيق للعولمة يعني هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي وانتشاره في الصميم مضافاً إلى انتشاره في الظاهر أيضاً، وبعبارة أخرى واضحة يعني: هيمنة النمط الرأسمالي الأمريكي، ليتلازم معنى العولمة في مضمار الإنتاج والتبادل المادي والرمزي، مع معنى الانتقال من المجال الوطني أو القومي إلى المجال العالمي أو الكوني، وذلك في ضمن مفهوم تعيين مكاني جغرافي: وهو الفضاء العالمي برمته، وتعيين زماني تاريخي: وهو حقبة ما بعد الدولة القومية، أي: الدولة التي أنجبها العصر الحديث إطارا كيانياً لصناعة أهم وقائع التقدم الاقتصادي والسياسي، والاجتماعي والثقافي.
فالعولمة المتداولة يعني: وصول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتداول، والتوزيع والتسويق، والتجارة والتمويل، إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها.
وبعبارة ثانية: إن ظاهرة العولمة المتداولة هي بداية عولمة الإنتاج، والرأسمال الإنتاجي، وقوى الإنتاج الرأسمالية، وأخيراً علاقات الإنتاج الرأسمالية أيضاً، وترويجها في كل مكان مناسب خارج مجتمعات المركز الأصلي ودوله.
فالعولمة بهذا المعنى هي: رسملة العالم على مستوى الصميم بعد أن تمّت رسملته على مستوى سطح النمط ومظاهره.
ويكون الناتج من هذه التعاريف كلها: ان العولمة حسب قول البعض هو:
حرية أصحاب رؤوس الأموال، لجمع المزيد من المال في سياسة اقتصادية قديمة، كانت تعتمد على الإنتاج الذي يؤدي إلى تحقيق الربح، وانقلابه اليوم إلى الاعتماد على تشغيل المال فقط دون خسائر من أي نوع، للوصول إلى احتكار الربح.
إن هذا المعنى يتلخص في عودة الهيمنة الغربية من جديد، لكن محمّلة على أجنحة المعلوماتية والعالم المفتوح، ومدجّجة بالعلم والثقافة حتى وإن كانت غير إنسانية، وبذلك تقلب القاعدة القديمة القائلة: إنّ القوي يأكل الضعيف، إلى قاعدة جديدة عصرية عولمية تقول: السريع يأكل البطيء، علماً بأن القاعدة الجديدة، لا تختلف عن القاعدة القديمة، من حيث النتيجة، بل تكون هذه الجديدة أشدّ بأساً وأعظم ظلماً من تلك القديمة، لأن أصحاب السرعة يعملون على تثبيط حركة الآخرين بكل وسعهم وجميع إمكانياتهم.
إن منطق التطور الرأسمالي يقضي بالتوسع المستمر خارج الحدود، إذ قد انتقلت الرأسمالية من حدود الدولة القومية والاقتصاد القومي، في عملية زحف استعماري سريع، وفرض هيمنة واسعة حتى شملت عالم ما وراء البحار ومعظم مناطق جنوب الأرض لتطال المواد الخام واليد العاملة الرخيصة والأسواق.
وهكذا خرج النظام الرأسمالي العالمي من واجهة المزاحمة أو المنافسة الحرة، إلى واجهة الاحتكار وواجهة الهيمنة والاستعمار مع أن الاحتكار والاستعمار من أبغض الصفات التي يمكن أن يتصف بها ظالم وغاشم.
وقد ورد النهي عن الاحتكار في الشريعة الإسلامية، قال أبو عبد الله (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون»[1].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «نفد الطعام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتاه المسلمون فقالوا: يا رسول الله قد نفد الطعام ولم يبق منه شيء إلا عند فلان فمره يبيعه الناس، قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا فلان إن المسلمين ذكروا أن الطعام قد نفد إلا شيئاً عندك فأخرجه وبعه كيف شئت ولا تحبسه»[2].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الحكرة أن يشتري طعاماً ليس في المصر غيره فيحتكره فإن كان في المصر طعام أو يباع غيره فلا بأس بأن يلتمس بسلعته الفضل»[3].
وفي الحديث عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحتكر الطعام ويتربص به هل يجوز ذلك، فقال: «إن كان الطعام كثيراً يسع الناس فلا بأس به، وإن كان الطعام قليلا لا يسع الناس فإنه يكره أن يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام»[4].
وعن معتب قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) وقد يزيد السعر بالمدينة: «كم عندنا من طعام؟ » قال: قلت: عندنا ما يكفينا أشهراً كثيرةً، قال: «أخرجه وبعه»، قال: قلت له: وليس بالمدينة طعام، قال: «بعه»، فلما بعته قال: «اشتر مع الناس يوماً بيوم»، وقال: «يا معتب اجعل قوت عيالي نصفاً شعيراً ونصفاً حنطةً فإن الله يعلم أني واجد أن أطعمهم الحنطة على وجهها ولكني أحب أن يراني الله قد أحسنت تقدير المعيشة»[5].
وعن معتب قال: «كان أبو الحسن (عليه السلام) يأمرنا إذا أدركت الثمرة أن نخرجها فنبيعها ونشتري مع المسلمين يوماً بيوم»[6].
أما اليوم في سياق الثورة الثقافية نرى التوسع الرأسمالي يحتل المكان الأسمى من الدعاية والتبليغ، ليفسح المجال أمام هيمنة الأسواق وسياسة الربح وحده، فيطيح بحدود جديدة: الحدود القومية في نفس المجتمع الرأسمالي بعد أن أطاح بحدود المجتمعات المنتمية إلى منظومة الجنوب وما أشبه.
ولكن يبدو أن العولمة بمعناها الشمولي أعم من العولمة الاقتصادية ـ وإن كانت ربما هي الهدف الأصلي من عولمتهم الغربية تحصيلاً للأرباح الأكثر والأكبر والأشمل ـ فتشمل أيضاً العولمة السياسية والثقافية والاجتماعية وما أشبه.
خلاصة التعاريف
إن النمط الجديد الذي مرّ ذكره: من التوسع واستمرار هيمنة الأسواق، وسياسة الربح وحده، الذي هو مرحلة جديدة من مراحل الهيمنة والاستعمار الجديد، هو ما أطلقوا عليه اليوم اسم: العولمة، وصفته الظاهرة هي ـ كما يراه الخبراء ـ توحيد العالم وإخضاعه لقوانين مشتركة تضع حداً فيه لكل أنواع السيادة.
إن هذا المسار بدأ على الساحة منذ ميلاد ظاهرة الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات، وذلك قبل عقود، لتصل اليوم إلى نظام التجارة الحرة الذي اعترف به دولياً، وقرر التعبير عنه مؤسسياً ضمن قوانين موضوعها: رؤوس الأموال والتجارة، والحواجز الجمركية والقاطرات المالية، وهذه القوانين يلغي مفعولها مفعول القوانين المرعية في الدول الوطنية بتحطيم الحواجز الجمركية لصالح حرية انتقال السلعة ورؤوس الأموال فيها، وذلك بإشراف منظمة دولية تحمل اسم (الغات)، وهي اختصار لعبارة «الاتفاقية العامة للتعرفات الجمركية» وأهداف الغات ومن بعدها المنظمة العالمية للتجارة هي: تحرير التجارة الدولية وإزالة الحواجز الجمركية وفتح الأسواق الدولية أمام المنافسة بنحو الليبرالية الاقتصادية. وكل دولة خرجت عن إطارها ورفضت الانخراط فيها كان جزاؤها العزلة الاقتصادية، وهي أخطر أنواع العقوبات التي لا تتحمل عادة.
إن أمريكا أدّت دوراً رئيسياً في دعمها للرأسمالية، إذ مضافاً إلى أنها بقيت طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أكبر سوق وأكبر دولة مصدرة في العالم، اتخذت من بناء اقتصاد عالمي رأسمالي، حجر أساس في سيطرتها على الصعيد السياسي، والصعيد الاقتصادي الدولي، ومن المعلوم أنها حيث كانت أكبر دولة مصدرة، فإن لها أعظم مصلحة شخصية في تنمية الاقتصاد العالمي، لأجل تغذية نموها الاقتصادي.
ثم إن أمريكا ومن منطلق حراسة الأنظمة والمؤسسات الرأسمالية التابعة لها، في وجه التهديدات الناجمة من أنظمة اجتماعية واقتصادية أخرى كالشيوعية والاشتراكية، صرفت الكثير على انتشار اقتصاديات رأسمالية في بلدان أخرى في أوروبا الغربية، وفي شرق وجنوب شرقي آسيا، وعلى الأخص في بلاد عدوّيها السابقين: ألمانيا واليابان، بالإضافة إلى مشروع مارشال في أوروبا الغربية.
هذا وقد صرفت أمريكا مساعداتها الخارجية أيضاً في مناطق أخرى من العالم النامي تعزيزاً للمؤسسات الرأسمالية حيثما أمكنها ذلك بل فوق ما يتصور.
ولكن رغم كل ذلك، فإن الرأسمالية بمعناها الموجود حيث إنها كالشيوعية والاشتراكية مخالفة للفطرة والعقلانية، فإن مصيرها سيكون نفس مصير الشيوعية والاشتراكية من السقوط والزوال، ولا يبقى على وجه الأرض إلاّ العولمة الصحيحة التي دعا إليها الإسلام.

الاثنين، 13 أبريل 2009


المرأة العربية والإعلام في زمن العولمة
الإثنين, 10-يناير-2005
بقلم : فوزية بامرحول * - المرأة العربية والإعلام في زمن العولمةزمن العولمة أو ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، زمن الثورة العلمية والتكنولوجية المعلوماتية وهو الزمن الذي جاء نتاجا لتفاعلات طبيعية إن لم نقل، صراعات، للحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية لدول الغرب، وهي الحقبة الجديدة التي يعيشها العالم بعد سقوط النظام الشيوعي وتقهقر النظام الاشتراكي، وبما أن البقاء للأقوى دوما فإن دول الغرب التي طالما سعت في حقبة زمنية سابقة لسيطرة نفوذها الاستعماري، في شتى بقاع الأرض هي نفسها من يسعى الآن لفرض استعمار جديد سلاحها الأقوى فيه هو الغزو الفكري.ويساعدها في نشر ذلك وبجهد وزمن قياسيين تقنيات التكنولوجيا الحديثة من أجهزة اتصال ومعلومات وحيث الترويج لما يسمى بالتحرر الاقتصادي والانفتاح على العالم والانضمام إلى منظمة التجارة الدولية والبنك الدولي وتنفيذ بنود اتفاقية الجات حتى من قبل، الدول التي ، لم توقع عليها أصلا.كما لعبت الشركات المتعددة الجنسيات دورا كبيرا في ذلك من خلال الاستثمار في العديد من الدول النامية ودول التكتل الشيوعي السابقة وبعض الدول العربية وساهمت في عملية تشغيل العمالة المحلية لتلك البلدان بالإضافة إلى منتسبيها الذين يعتمدون في تسهيل أعمالهم على وسائل، الاتصال والمعلومات الحديثة ومتشبعون بالفكر الغربي الذي يروج للعولمة، ويتغنى بمزاياها ونحن في الدول العربية - من وجهة نظري، الشخصية- يتطلب منا ما يلي:أ- الأخذ بعين الاعتبار أن العولمة عملية واقعة ونحن نعيش زمنها، وإن نفي ذلك يعتبر هروبا من الواقع.ب- عدم التظاهر بأننا لا نعير العولمة أية اهتمام وأننا في الدول العربية بعيدين عن رياح التغيير ج- عدم الانصياع أيضا لما تروج له بعض المؤسسات الدولية الغربية بان العولمة تحمل في طياتها كافة الحلول لمشاكل العالم السياسية والاقتصادية.د- تكييف، بنود العولمة وشروطها بما يتناسب وطبيعة بيئتنا العربية لما لها من خصوصية تختلف، عن الغرب، اختلافا جذريا بفعل العادات والتقاليد والدين.وفي ظل ذلك نأتي إلى واقع المرأة العربية ودور الإعلام العربي تجاه قضاياها في زمن العولمة حيث كلنا يدرك ما لحق وما سيلحق المرأة العربية من أضرار من جراء العولمة وتوجه معظم الدول العربية نحو رسم سياسات للإصلاح الاقتصادي والانخراط فيما يسمى بالنظام العالمي الجديد، والعمل بموجب اتفاقيات البنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وتسارع وتهافت بلداننا العربية للحاق بركب التقدم العلمي والتكنولوجي، كما توجهت بعض الدول نحو برامج الخصخصة والتي بفعلها بدأت تضيق، فرص العمل كما ظهرت، اختلالات في هياكل العرض لسوق العمل والطلب للقوى العاملة وهذه الاختلالات تفرض بطبيعتها ضغوطا اجتماعية واقتصادية وسياسية تنعكس على المجتمع بشكل عام وعلى النساء بشكل خاص. ونقولها صراحة هنا أن حور الإعلام تجاه المرأة وقضاياها كان سلبيا نوعا ما ..علما إن هناك عدة محاور يمكن للإعلام الخوض فيها وإظهار الصورة الحقيقة لمساهمة المرأة العربية من خلال إبراز مشاركتها في شتى الجوانب وخاصة الحياة الاقتصادية والتي تعتبر مشاركة المرأة العربية فيها إنجازا كبيراً لتحسين ظرفها المعيشية خاصة ولزيادة مساهمتها في عملية التنمية عامة.كما كان للإعلام العربي، موادا غنية تجاهلها ولم يعمد إلى بثها، أو عمل الدعاية الإعلامية لها وهي الكثير من المؤتمرات والندوات التي تعنى بشئون المرأة وتقوم بعقدها وتمويلها الكثير من المنظمات الدولية والعربية الحكومية منها وغير الحكومية وكذا الاتحادات، العمالية والمهنية والنسائية التي لعبت دورا هاما في تحسين دور المرأة وأداءها وتمكينها من المشاركة والمساهمة الاقتصادية، والدفع بها نحو مواقع صنع القرار.نحن لا نريد من الإعلام العربي أن يلعب دورا في تفعيل أداء المرأة لان هذا ما تقوم به فعلا ولكن عليه أن يلعب دورا واقعيا في نقل، الصورة الحقيقة المساهمة المرأة في التنمية الاقتصادية وفي مناحي الحياة الأخرى على الصعيد السياسي والثقافي والاجتماعي، حيث أن الغزو الإعلامي الغربي ساهم كثيرا في إبهات صورتها، ولكن ما يؤسف له هو اتخاذ معظم قنواتنا وفضائياتنا العربية من تلك الصورة الباهتة ومناظر شبه التعري والتمايل والإيحاءات التي تخاطب الغرائز موادا دسمة وغنية لبثها، وبالتالي نقول مسكينة هي، المرأة العربية فكم من الجبهات التي يتحتم عليها الدفاع والنضال فيها! أهي جبهة الخوض وبكل قوة في المشاركة الاقتصادية واثبات الذات، والوصول إلى مواقع القرار أم النضال لأجل أخذ حقها في المشاركة السياسية وأن كان بفعل "الكوتا" وليس بفعل قناعة النوع الآخر، أم النضال في جبهة الإعلام التي تطالعنا يوميا بأشكال وألوان من النساء اللاتي نود القول لهن بل الصراخ في آذانهن أننا نحن بنات حواء بريئات منكن إلى يوم الدين لان جمال المرأة برجاحة عقلها وباحتشامها وحيائها وليس بتعريها و إبراز واستعراض مفاتنها!؟فهل يعي الإعلام العربي، والقائمون عليه دورهم الحقيقي تجاه المرأة العربية وقضاياها؟؟وهل سيهبون من سباتهم للتحرر من الغزو الفكري الغربي الذي استعمر واستوطن عقول الكثيرين ويعودون إلى صوابهم؟وليتذكر العاملون في الحقل الإعلامي أنهم يحملون رسالة سيسألون عنها يوم القيامة!! فما سيكون ردهم يوم لا ينفع الإنسان إلا ما قدمت يداه.* فوزية بامرحول :عضو دائرة المرأة العاملة والطفل بالاتحاد العام لنقابات عمال اليمن ، رئيس دائرة المرأة بالجنة والنقابية لشركة النفط اليمنية ، الإدارة العامة صنعاء.
العولمة و الأشاوس
رؤيةالثلاثاء 2/9/2008غسان شمةوجد البعض ضالتهم في العولمة, فهي العدو الجديد , وهي مبعث الشرور و أم الرذائل التي تحض كتابنا و مبدعينا على الانفلاش و الكتابة من فوق الفراش ,
وجعل الجنس أول و أخر اهتماماتهم, غارقين في لجته العميقة, مبتعدين عن القضايا الكبيرة و الصغيرة التي قد تتعارض مع العولمة!‏
و الأمر نفسه قد ينطبق على ميادين أخرى مثل الموسيقا و الثياب و الحوار والديمقراطية ... و حتى المطالبة بالبطاطا اذا ما انقطعت عن الجمهور والسوق لأي سبب كان?!‏
و قد لا يتورع أحدهم عن القول: ان المسلسلات التركية نتاج للعولمة جعل نساءنا يذرفن الدمع على البطولات الحالمة و المواقف التي تقطع نياط القلب .. و ان المسلسلات المكسيكية كانت المقدمة التي مرت لرأس العولمة الضارب في كل مكان !‏
اذاً فلنشد الاحزمة و لنبدأ الحرب ضد العولمة فنمنع الكتاب من الحديث عن الجنس و السياسة و الدين, و نمنع كل ألوان التحديث باسم الاصالة والعراقة و التراث و الحفاظ على الشخصية الثقافية و الفكرية للامة....!‏
و من المهم أيضاً منع نسائنا من الخروج الى العمل أو الشارع خشية تعرضهن لأي موقف من مواقف العولمة , قبح الله وجهها, و لنقفل اجهزة التلفاز, و لنضع الحواجز الصادة لمختلف الموجات الاذاعية...و لنجلس متربعين, متكتفين, داعين الله بالنجاح و التوفيق لسدنة الرأي هؤلاء...!‏
هل يظنن أحد ما أن العولمة ستمر من هنا أو هناك و كل هؤلاء الاشاوس يتربصون بها في كل مكان ?!‏

الجمعة، 10 أبريل 2009


مفهوم العولمة
انتشر استخدام مصطلح العولمة في كتابات سياسية واقتصادية عديدة (بعيدة عن الإنتاج الفكري العلمي الأكاديمي في البداية) في العقد الأخير، وذلك قبل أن يكتسب المصطلح دلالات استراتيجية وثقافية مهمة من خلال تطورات واقعية عديدة في العالم منذ أوائل التسعينات.يُستخدم مفهوم العولمة لوصف كل العمليات التي بها تكتسب العلاقات الاجتماعية نوعًا من عدم الفصل (سقوط الحدود) وتلاشي المسافة؛ حيث تجري الحياة في العالم كمكان واحد -قرية واحدة صغيرة- ومن ثم فالعلاقات الاجتماعية التي لا تحصى عددًا أصبحت أكثر اتصالاً وأكثر تنظيمًا على أساس تزايد سرعة ومعدل تفاعل البشر وتأثرهم ببعضهم البعض. وفي الواقع يعبر مصطلح العولمة عن تطورين هامين هما: التحديث Modernity، والاعتماد المتبادلInter-dependence ، ويرتكز مفهوم العولمة على التقدم الهائل في التكنولوجيا والمعلوماتية، بالإضافة إلى الروابط المتزايدة على كافة الأصعدة على الساحة الدولية المعاصرة. وبناء على ذلك، فالمفهوم يحتوي على مساحة من التناقض بين وجهة النظر الليبرالية الداعية للاحتفال بالاعتماد المتبادل بين الدول، مقابل وجهة النظر الراديكالية التي لا ترى في ذلك إلا مزيدًا من السيطرة العالمية للرأسمالية والنظام الاقتصادي المرتكز على حرية السوق.وتاريخيًا، فإن مفهوم العولمة لا يتجزأ عن التطور العام للنظام الرأسمالي، حيث تعد العولمة حلقة من حلقات تطوره التي بدأت مع ظهور الدولة القومية في القرن الثامن عشر، وهيمنة القوى الأوروبية على أنحاء كثيرة من العالم مع المد الاستعماري. بين رأس المال والتكنولوجيا والثقافة: ومؤخرًا، ساهمت ثلاثة عوامل في الاهتمام بمفهوم العولمة في الفكر والنظرية، وفي الخطاب السياسي الدولي:
1 - عولمة رأس المال أي تزايد الترابط والاتصال بين الأسواق المختلفة حتى وصلت إلى حالة أقرب إلى السوق العالمي الكبير، خاصة مع نمو البورصات العالمية.2- التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال والانتقال والذي قلل -إلى حد كبير- من أثر المسافة، وانتشار أدوات جديدة للتواصل بين أعداد أكبر من الناس كما في شبكة الإنترنت.
3 - عولمة الثقافة وتزايد الصلات غير الحكومية والتنسيق بين المصالح المختلفة للأفراد والجماعات، فيما يسمى الشبكات الدولية Networking حيث برز التعاون استنادًا للمصالح المشتركة بين الجماعات عبر القومية، مما أفرز تحالفات بين القوى الاجتماعية على المستوى الدولي، خاصة في المجالات النافعة مثل: الحفاظ على البيئة، أو في المجالات غير القانونية كتنظيف الأموال والمافيا الدولية للسلاح.وفي الواقع، فإنه على الرغم من ترحيب دعاة العولمة بزوال الحدود القومية ودعوتهم لإنهاء الدولة القومية، والحد من الإغراق في الخصوصية الثقافية والمحلية، لكن الواقع الحالي يثبت وجود قوتين متعارضتين: التوحد والتجزؤ. التوحد والتجزؤ: فبينما يتجه الاقتصاد لمزيد من الوحدة على الصعيد الدولي، تخطو السياسة نحو المزيد من التفتت مع نمو الوعي العرقي والنزاعات الإثنية، في حين تتراوح الثقافة بين انتشار الثقافات الغربية في الحياة اليومية وبين إحياء الثقافات والتراث في أنحاء المعمورة.وعلى الرغم من عولمة رأس المال فإن الهوية تتجه نحو المحلية. على سبيل المثال: فإن اختفاء الحدود بين شطري ألمانيا ونشأة كيانات موحدة والسير نحو الوحدة الأوروبية الغربية واكبه تفتت يوجوسلافيا وإحياء الروح الانفصالية في أفريقيا وآسيا.وعلى صعيد عمليات الاتصال بين أرجاء المعمورة، فإن تكنولوجيا الاتصال قد قللت إلى حد كبير من تأثير المسافات بين الدول، وازدياد التفاعل بين الأشخاص والثقافات - بعبارة أخرى: حوار الحضارات، مما قاد إلى تكوين ثقافة عالمية جديدة يستغربها الذين اعتادوا على ثنائية "الذات والآخر"، فهناك دعوة للاندماج تبرز في مدارس الفن والفلسفة، وحوارات على كافة الأصعدة الحضارية والدينية. ويركز المتوجسون من العولمة على الروح الاستهلاكية العالية التي تواكب هذه المرحلة، والتي تتضح فيما يُسمى ثورة التطلعات، وانتشار النمط الاستهلاكي الترفي بين الأغنياء، أو الحلم به وتمنيه بين الفقراء.وتنطوي العولمة على درجة عالية من العلمنة -أي تغليب المادية والحياة العاجلة على أية قيم مطلقة، واختزال الإنسان في بعده المادي الاستهلاكي، وأحيانًا الشهواني، فعلى سبيل المثال: تتعامل ثقافة الإعلام في ظل العولمة مع المرأة طبقًا لرؤية نفعية، يكون فيها جسد المرأة أداة لتعظيم المنفعة المادية، فمن ناحية تعتبر المرأة سلعة يمكن تسويقها - من خلال العروض التلفزيونية والإعلانات - عالميًا، ومن ناحية أخرى تعتبر هدفًا لتسويق سلع استهلاكية كمستحضرات التجميل والأزياء - وتتجلى هذه الرؤية في أشكال شتى منها مسابقات ملكات الجمال.وعلى الرغم من انتشار مفهوم العولمة، فإن العالم يفتقر إلى وجود وعي عالمي أي إدراك الأفراد لهويتهم الكونية أكثر من الهويات المحلية. فواقعيًا، لا زالت الهويات المحلية تتصارع مع تلك الهوية العالمية التي تهيمن عليها القوى الكبرى اقتصاديًّا ونموذجًا حياتيًّا (الأمركة)، فعلى سبيل المثال بينما تتحد الدول في وحدات إقليمية كبيرة فإن التواصل بينها مفتقد، وبينما تتسارع العولمة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية سعيًا وراء تقليل فوارق المسافة، تخلق السياسة العديد من الفجوات بين الدول. وتعبر هذه السلوكيات عن جدلية إدراك الإنسان لدوره ككائن اجتماعي من ناحية، وكفرد يتصارع عالميًا سعيًا وراء مكانة خاصة.ويرى بعض الباحثين أن الإشكالية في العلاقة بين العالمي والمحلي تتفاقم حين تحاول القوى العالمية الكبرى مثل: الولايات المتحدة أن تُعطي الطابع العالمي لما هو محلي لديها من أجل تحقيق مصالحها الخاصة. ويرجع انتشار هذا النموذج الأمريكي إلى امتلاك الولايات المتحدة لمنافذ إعلامية عديدة وعالمية.ويطلق الباحثون على تلك العملية، "عولمة المصالح المحلية"، ومن المهم إدراك أن مفهوم "العولمة" يرتكز على عملية ثنائية الأبعاد: كونية الارتباط - ومحلية التركيز، وهذا التضاد هو طبيعة كل واقع جديد، لذلك يصح أن نطلق عليها لفظ "العولمة المحلية" Globalization and localization . الإسلام والعولمة: ويلاحظ أن الإسلام وإن كانت دعوته عالمية الهدف والغاية والوسيلة، ويرتكز الخطاب القرآني على توجيه رسالة عالمية للناس جميعًا، ووصف الخالق - عز وجل- نفسه بأنه "رب العالمين" ، وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مقترنًا بالناس والبشر جميعًا. فإن حضارة الإسلام قامت على القاسم المشترك بين حضارات العالم، فقبلت الآخر وتفاعلت معه أخذًا وعطاءً، بل إن حضارة الإسلام تعاملت مع الاختلاف بين البشر باعتباره من حقائق الكون. لذلك دعا الخطاب القرآني إلى اعتبار فوارق الجنس والدين واللغة من عوامل التعارف بين البشر. اتساقًا مع نفس المبادئ، يوحد الإسلام بين البشر جميعًا رجالاً ونساءً، في جزئيات محددة: أصل الخلق والنشأة، والكرامة الإنسانية والحقوق الإنسانية العامة، ووحدة الألوهية، وحرية الاختيار وعدم الإكراه، ووحدة القيم والمثل الإنسانية العليا.وتبدو الاختلافات جلية بين عالمية الإسلام ومفهوم "العولمة" المعاصر، فبينما تقوم الأولى على رد العالمية لعالمية الجنس البشري والقيم المطلقة، وتحترم خصوصيته وتفرد الشعوب والثقافات المحلية، ترتكز الثانية: على عملية "نفي" و "استبعاد" لثقافات الأمم والشعوب ومحاولة فرض ثقافة واحدة لدول تمتلك القوة المادية وتهدف عبر العولمة لتحقيق مكاسب السوق لا منافع البشر.ورغم هذه السيطرة الغربية على العولمة ومسارها إلا أن القوى المختلفة الداعية إلى حق الاختلاف والخصوصية الدينية والثقافية يمكنها توظيف أدوات العولمة ذاتها لمواجهتها، ففي قمة "سياتل" التي انعقدت في الولايات المتحدة الأمريكية ديسمبر 1999 نظم ونسق المعارضون لاتفاقية الجات جهودهم عبر شبكة الإنترنت، مما يدل على أن الإنسان يستطيع توظيف كل جديد في الدفاع عن هويته وذاته... وإنسانيته