الأحد، 3 مايو 2009


العولمة بين المعنى المعلن والمعنى الخفي
د. ناصح البقمي

مصطلح العولمة من أكثر المصطلحات المعاصرة انتشاراً وغموضاً في الوقت نفسه. ولذلك يتساءل كثير من الناس عن معنى هذا المصطلح؛ هل هو جعل الأنظمة السياسية الموجودة في العالم على نمط سياسي واحد؟ أم فتح الأسواق وإلغاء القيود والحواجز الاقتصادية بين الدول ؟ أم تصدير ثقافة معينة ينبغي لها أن تسيطر وتفوق غيرها من الثقافات ؟ أم أن العولمة هي كل ما تقدم، بل وربما أكثر ؟
ثم يأتي السؤال الأهم وهو: ما حكم العولمة في الإسلام ؟ وما موقف المسلمين منها ؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، عُقدت كثير من المؤتمرات والندوات والمحاضرات، بغية تجلية هذا الأمر وبيان الموقف منه. إلا أن ما قدم فيها ـ وبخاصة العولمة الاقتصادية ـ كان يعاني أمرين: إما طرح الموضوع والتعمق فيه من الناحية الاقتصادية دون بيان الحكم الشرعي، أو طرح إسلامي عام لا يضع النقاط على الحروف.
فلا يبين الحكم الشرعي بعد دراسة الظاهرة دراسة وافية، ولا يطرح حلولا تفصيلية وسياسات شرعية يمكن تطبيقها في الواقع. فمعظم الكتابات الإسلامية التي صدرت اتسمت بالعمومية وعدم التعمق، حيث اشتملت على أحكام متعجلة وتوصيات أقرب إلى التمنيات منها إلى الحلول والسياسات، باستثناء بعض الرسائل العلمية القليلة جدا التي تناولت أجزاء يسيرة من هذا الموضوع الضخم. ولا شك أن تشعب الموضوع وتعقيده قد حال دون الوصول إلى المقصود.
وإسهاماً مني في تجلية هذا الأمر، فقد بحثت هذا الموضوع، من ناحية معنى العولمة بعامة والعولمة الاقتصادية بخاصة، وأهدافها، وأدواتها، وأسباب بروزها، وآثارها الاقتصادية في الدول الإسلامية، ومنظماتها التي تخطط لها وتطبقها على شكل سياسات في الدول النامية وهي: البنك الدولي للتعمير والتنمية، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.
وقد بينت حكم تلك السياسات في الشريعة الإسلامية وطرحت سياسات شرعية يمكن أن يستغنى بها عن سياسات تلك المنظمات في حالة معارضتها للشريعة الإسلامية، أما سياساتها الموافقة للشريعة فيمكن الأخذ بها إذا اقتضى الأمر.
والعولمة "Globalization" لفظة إنجليزية حديثة المنشأ، لا يجدي البحث عنها في المعاجم العربية. بل لا بد من الرجوع إلى المعاجم والقواميس الأجنبية لمعرفة المقصود بها.
وبالرجوع إلى بعض تلك المعاجم وجدت أن أصل اللفظة هو " Globe " ويعني: كرة، أو الكرة الأرضية، أو كرة يعلوها صليب ترمز إلى سلطة الملك وعدالته. والصفة منها " Global " وتعني: كروي، أو عالمي، أو شامل. أما الاسم وهو " Globalization " فيعني ما يلي:
"worldwide in scope or application To make global ;esb.to make ":
أي أن العولمة هي إكساب الشيء طابع العالمية، وبخاصة جعل نطاق الشيء أو تطبيقه عالميا. ويلاحظ على صيغة " zation ـ " في لفظة "Globalization" أنها تفيد وجود فاعل يفعل، فليس الأمر عفويا.
وقد ترجمت اللفظة الإنجليزية "Globalization " إلى ثلاثة ألفاظ عربية هي: " العولمة " و"الكوكبة "و" الكونية ". وقد انتشرت اللفظة الأولى على لسان كثير من الكتاب والمفكرين، وإن كان بعضهم يعترف بأن لفظة " الكوكبة " أدق من لفظة " العولمة "؛ لأن لفظة العولمة اشتقاق من "عالم " الذي يقابل " World " وليس من " الكوكب " الذي يقابل "Globe".
وقد اختلفت التعريفات الاصطلاحية للعولمة، باختلاف توجهات وأفكار من يعرَّفونها، قبولا أو رفضا. فبينما يعرفها الغربيون بتعريفات تبدو محايدة وبراقة، يعرفها بقية المفكرين في الدول النامية وبخاصة المسلمين منهم، بتعريفات تصورها على أنها خطر داهم يجب التنبه له ومواجهته.
كما أن تعريفاتهم للعولمة قد اختلفت أيضا من شخص لآخر، بسبب تعقيدها وتشعبها وتعدد جوانبها، بل رأى بعضهم، عدم جدوى البحث عن تعريف جامع مانع، واكتفى بتحديد المعنى ومعرفة أبعاده ومضامينه.
فمن الفريق الأول ـ وهو المؤيد للعولمة ـ عرفها صندوق النقد الدولي بأنها " تزايد الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين بلدان العالم، بوسائل منها: زيادة حجم وتنوع معاملات السلع والخدمات عبر الحدود والمتدفقات الرأسمالية الدولية، وكذلك من خلال سرعة ومدى انتشار التكنولوجيا ".
ويؤخذ على هذا التعريف، أنه يحصر العولمة في المجال الاقتصادي ويهمل المجالين: السياسي، والثقافي. كما أنه يصور العولمة وكأنها ظاهرة تلقائية تحدث عفويا بين الدول، وليس خلفها جهات توجهها وتسيرها. وكما أن هذا هو المعنى المعلن للعولمة، أما المعنى الخفي فشيء غير ذلك.
ومن الفريق الآخر ـ وهو المعارض للعولمة ـ عرفها الأطرش بأنها " اندماج أسواق العالم في حقول التجارة، والاستثمارات المباشرة، وانتقال الأموال، والقوى العاملة، والثقافات، والتقانة، ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق، وتاليا خضوع العالم لقوى السوق العالمية، مما يؤدي إلى اختراق الحدود القومية، وإلى الانحسار الكبير في سيادة الدولة، وأن العنصر الأساسي في هذه الظاهرة، هي الشركات الرأسمالية الضخمة متخطية القوميات ".
وعرفها الدكتور الزنيدي بأنها: " ذلك التوجه وتلك الدعوة التي تسعى إلى صياغة حياة البشر في مختلف الأمم، وفق القيم والمسالك والأنماط الغربية ـ وبالدرجة الأولى الأمريكية ـ وتحطيم خصوصيات الأمم المختلفة، إما بالترغيب أو بالترهيب ". ثم ذكر أن هذا التعريف تلتقي فيه عامة التعريفات وإن اختلفت صياغاتها، وأن هذه الفكرة ليست جديدة، فإشاعة قيم الغرب، تدرجت من التغريب، إلى الحداثة، ثم إلى العولمة، فليس في الأمر شيء جديد. والراجح في معنى العولمة في نظري: هو ما ذكره المعارضون؛ وهو المعنى الخفي للعولمة. وملخص هذا المعنى أن العولمة هي نشر القيم الغربية الرأسمالية في العالم، وجعل العالم كله يسير وفقا للنموذج الغربي الرأسمالي في مجالات السياسة، والاقتصاد، والثقافة.

تصريف العولمة
العولمة ثلاثي مزيد، يقال: عولمة، على وزن قولبة، واللفظ مشتق من العالم، والعالم جمع لا مفرد له كالجيش والنفر، وهو مشتق من العلامة على ما قيل، وقيل: مشتق من العِلم، وذلك على تفصيل مذكور في كتب اللغة.
فالعولمة كالرباعي في الشكل فهو يشبه (دحرجة) المصدر، لكن (دحرجة) رباعي منقول، أما (عولمة) فرباعي مخترع ـ إن صح التعبير ـ.
فإن هناك جماعة من اللغويين يقولون بجواز اختراع ألفاظ وكلمات في اللغة العربية على وزان الألفاظ والكلمات الموجودة فيها، كما يقولون بجواز الزيادة والنقيصة على حسب الزوائد أو النقائص اللغوية الأخرى، مثل: صرف الباب الثلاثي إلى باب الانفعال، أو التفعيل، أو المفاعلة، أو الاستفعال، وكذلك أبواب الرباعيات ونحوها، فإنه كما يقال: عولمة، يقال: تعولمنا، وتعولمتُ، وتعولمتِ البلاد وهكذا، من قبيل تدحرجنا، وتدحرجتُ، وتدحرجتِ الكُرات وما أشبه ذلك.
العولمة لغة واصطلاحاً
إن العولمة على ما سبق مشتق من العالم، أي: صرنا عالميين، ومعنى العالمية: أن تتحد كل شعوب العالم في جميع أمورها على نحو واحد وهيئة واحدة في الجملة، فيكونوا كبيت واحد، وأسرة واحدة، فلا يكون هناك شعب فقير وشعب غني، ولا شعب اُمي وشعب مثقّف، ولا شعب تختلف اقتصادياته أو سياسياته أو ثقافياته أو اجتماعياته أو سائر شؤونه ـ كشؤون التربية والسلوك وما أشبه ذلك ـ عن شعب آخر، أي: كما كان عليه الحال قبل الآلة الحديثة، حيث الأسفار البعيدة، والاتصالات المنقطعة أو شبه المنقطعة، وإنما يكون الانتماء للعالم كلّه كالانتماء إلى دولة واحدة كلها، فكما يقال: بغدادي وبصري، يقال: عراقي ومصري، أو شرقي وغربي أو ما شابه ذلك، فإن البلاد وإن كانت مختلفة ولم يتصل بعضها ببعض، لكنّ الفكر يكون واحداً، والاتصال موجوداً، ويبقى الاختلاف قليلا وبشكل جزئي في بعض النقاط وفي المناطق الصغيرة من أطراف العالم.
أما الاختلاف في العالم وعلى نحو عام وكلي فلا يكون، حيث تتداخل السياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع وغير ذلك بعضها في بعض، وتؤثر جميعاً على حياة الانسان في الأرض أينما كانوا وحيثما حلوا ونزلوا، وذلك من دون اعتداد قابل للذكر بالحدود السياسية لدول ذات السيادة، أو الانتماء إلى وطن محدّد أو لدولة معيّنة، ومن دون حاجة إلى إجراءات حكومية خاصة، ولا إلى تعديل الإجراءات وتوحيدها أو تعديل الحكومات وتوحيدها، لأنها رغم كثرتها وتعددها تكون واحدة من حيث السلوك والأسلوب نوعاً ما، وإذا كان بينها اختلاف يكون الاختلاف عندها من نوع الاختلاف في الولايات، لا كالاختلاف في الدول.
إذن: العولمة التي أصبحت اليوم كلمة شائعة في العلوم الاجتماعية، ومستخدمة كثيراً في الأدب المعاصر، يمكن تعريفها بما يلي: إعطاء الشيء صفة العالمية، من حيث النطاق والتطبيق.
من تعاريف العولمة أيضاً
ولقد عرفوا العولمة بتعريف آخر، قالوا: (العولمة اسم شمولي مصطلح للدلالة على حقبة نفوذ تتميز بأدوات أوسع من الأدوات الاقتصادية، تهم الثقافة والحضارة حتى البيئة ـ مع احتفاظ الاقتصاد بعمودها الفقري ـ لديها قدرة التأثير على العالم، وذلك بغلبة من الرأسمالية الغربية التي تجتاح العالم وتسيطر على أسواقه المالية والفكرية).
وعرفوا العولمة بتعريف ثالث، قالوا: (العولمة هي الحركة الاجتماعية التي تتضمن انكماش البعدين: الزماني والمكاني، مما يجعل العالم يبدو صغيراً إلى حد يُحتّم على البشر التقارب بعضهم من بعض).
وعرفوها بتعريف رابع وهو: (التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسية والثقافة والسلوك، دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة، أو انتماء إلى وطن محدد، أو لدولة معينة، ودون حاجة إلى إجراءات حكومية).
فقالوا: إن المفهوم الدقيق للعولمة يعني هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي وانتشاره في الصميم مضافاً إلى انتشاره في الظاهر أيضاً، وبعبارة أخرى واضحة يعني: هيمنة النمط الرأسمالي الأمريكي، ليتلازم معنى العولمة في مضمار الإنتاج والتبادل المادي والرمزي، مع معنى الانتقال من المجال الوطني أو القومي إلى المجال العالمي أو الكوني، وذلك في ضمن مفهوم تعيين مكاني جغرافي: وهو الفضاء العالمي برمته، وتعيين زماني تاريخي: وهو حقبة ما بعد الدولة القومية، أي: الدولة التي أنجبها العصر الحديث إطارا كيانياً لصناعة أهم وقائع التقدم الاقتصادي والسياسي، والاجتماعي والثقافي.
فالعولمة المتداولة يعني: وصول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتداول، والتوزيع والتسويق، والتجارة والتمويل، إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها.
وبعبارة ثانية: إن ظاهرة العولمة المتداولة هي بداية عولمة الإنتاج، والرأسمال الإنتاجي، وقوى الإنتاج الرأسمالية، وأخيراً علاقات الإنتاج الرأسمالية أيضاً، وترويجها في كل مكان مناسب خارج مجتمعات المركز الأصلي ودوله.
فالعولمة بهذا المعنى هي: رسملة العالم على مستوى الصميم بعد أن تمّت رسملته على مستوى سطح النمط ومظاهره.
ويكون الناتج من هذه التعاريف كلها: ان العولمة حسب قول البعض هو:
حرية أصحاب رؤوس الأموال، لجمع المزيد من المال في سياسة اقتصادية قديمة، كانت تعتمد على الإنتاج الذي يؤدي إلى تحقيق الربح، وانقلابه اليوم إلى الاعتماد على تشغيل المال فقط دون خسائر من أي نوع، للوصول إلى احتكار الربح.
إن هذا المعنى يتلخص في عودة الهيمنة الغربية من جديد، لكن محمّلة على أجنحة المعلوماتية والعالم المفتوح، ومدجّجة بالعلم والثقافة حتى وإن كانت غير إنسانية، وبذلك تقلب القاعدة القديمة القائلة: إنّ القوي يأكل الضعيف، إلى قاعدة جديدة عصرية عولمية تقول: السريع يأكل البطيء، علماً بأن القاعدة الجديدة، لا تختلف عن القاعدة القديمة، من حيث النتيجة، بل تكون هذه الجديدة أشدّ بأساً وأعظم ظلماً من تلك القديمة، لأن أصحاب السرعة يعملون على تثبيط حركة الآخرين بكل وسعهم وجميع إمكانياتهم.
إن منطق التطور الرأسمالي يقضي بالتوسع المستمر خارج الحدود، إذ قد انتقلت الرأسمالية من حدود الدولة القومية والاقتصاد القومي، في عملية زحف استعماري سريع، وفرض هيمنة واسعة حتى شملت عالم ما وراء البحار ومعظم مناطق جنوب الأرض لتطال المواد الخام واليد العاملة الرخيصة والأسواق.
وهكذا خرج النظام الرأسمالي العالمي من واجهة المزاحمة أو المنافسة الحرة، إلى واجهة الاحتكار وواجهة الهيمنة والاستعمار مع أن الاحتكار والاستعمار من أبغض الصفات التي يمكن أن يتصف بها ظالم وغاشم.
وقد ورد النهي عن الاحتكار في الشريعة الإسلامية، قال أبو عبد الله (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون»[1].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «نفد الطعام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتاه المسلمون فقالوا: يا رسول الله قد نفد الطعام ولم يبق منه شيء إلا عند فلان فمره يبيعه الناس، قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا فلان إن المسلمين ذكروا أن الطعام قد نفد إلا شيئاً عندك فأخرجه وبعه كيف شئت ولا تحبسه»[2].
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الحكرة أن يشتري طعاماً ليس في المصر غيره فيحتكره فإن كان في المصر طعام أو يباع غيره فلا بأس بأن يلتمس بسلعته الفضل»[3].
وفي الحديث عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحتكر الطعام ويتربص به هل يجوز ذلك، فقال: «إن كان الطعام كثيراً يسع الناس فلا بأس به، وإن كان الطعام قليلا لا يسع الناس فإنه يكره أن يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام»[4].
وعن معتب قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) وقد يزيد السعر بالمدينة: «كم عندنا من طعام؟ » قال: قلت: عندنا ما يكفينا أشهراً كثيرةً، قال: «أخرجه وبعه»، قال: قلت له: وليس بالمدينة طعام، قال: «بعه»، فلما بعته قال: «اشتر مع الناس يوماً بيوم»، وقال: «يا معتب اجعل قوت عيالي نصفاً شعيراً ونصفاً حنطةً فإن الله يعلم أني واجد أن أطعمهم الحنطة على وجهها ولكني أحب أن يراني الله قد أحسنت تقدير المعيشة»[5].
وعن معتب قال: «كان أبو الحسن (عليه السلام) يأمرنا إذا أدركت الثمرة أن نخرجها فنبيعها ونشتري مع المسلمين يوماً بيوم»[6].
أما اليوم في سياق الثورة الثقافية نرى التوسع الرأسمالي يحتل المكان الأسمى من الدعاية والتبليغ، ليفسح المجال أمام هيمنة الأسواق وسياسة الربح وحده، فيطيح بحدود جديدة: الحدود القومية في نفس المجتمع الرأسمالي بعد أن أطاح بحدود المجتمعات المنتمية إلى منظومة الجنوب وما أشبه.
ولكن يبدو أن العولمة بمعناها الشمولي أعم من العولمة الاقتصادية ـ وإن كانت ربما هي الهدف الأصلي من عولمتهم الغربية تحصيلاً للأرباح الأكثر والأكبر والأشمل ـ فتشمل أيضاً العولمة السياسية والثقافية والاجتماعية وما أشبه.
خلاصة التعاريف
إن النمط الجديد الذي مرّ ذكره: من التوسع واستمرار هيمنة الأسواق، وسياسة الربح وحده، الذي هو مرحلة جديدة من مراحل الهيمنة والاستعمار الجديد، هو ما أطلقوا عليه اليوم اسم: العولمة، وصفته الظاهرة هي ـ كما يراه الخبراء ـ توحيد العالم وإخضاعه لقوانين مشتركة تضع حداً فيه لكل أنواع السيادة.
إن هذا المسار بدأ على الساحة منذ ميلاد ظاهرة الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات، وذلك قبل عقود، لتصل اليوم إلى نظام التجارة الحرة الذي اعترف به دولياً، وقرر التعبير عنه مؤسسياً ضمن قوانين موضوعها: رؤوس الأموال والتجارة، والحواجز الجمركية والقاطرات المالية، وهذه القوانين يلغي مفعولها مفعول القوانين المرعية في الدول الوطنية بتحطيم الحواجز الجمركية لصالح حرية انتقال السلعة ورؤوس الأموال فيها، وذلك بإشراف منظمة دولية تحمل اسم (الغات)، وهي اختصار لعبارة «الاتفاقية العامة للتعرفات الجمركية» وأهداف الغات ومن بعدها المنظمة العالمية للتجارة هي: تحرير التجارة الدولية وإزالة الحواجز الجمركية وفتح الأسواق الدولية أمام المنافسة بنحو الليبرالية الاقتصادية. وكل دولة خرجت عن إطارها ورفضت الانخراط فيها كان جزاؤها العزلة الاقتصادية، وهي أخطر أنواع العقوبات التي لا تتحمل عادة.
إن أمريكا أدّت دوراً رئيسياً في دعمها للرأسمالية، إذ مضافاً إلى أنها بقيت طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أكبر سوق وأكبر دولة مصدرة في العالم، اتخذت من بناء اقتصاد عالمي رأسمالي، حجر أساس في سيطرتها على الصعيد السياسي، والصعيد الاقتصادي الدولي، ومن المعلوم أنها حيث كانت أكبر دولة مصدرة، فإن لها أعظم مصلحة شخصية في تنمية الاقتصاد العالمي، لأجل تغذية نموها الاقتصادي.
ثم إن أمريكا ومن منطلق حراسة الأنظمة والمؤسسات الرأسمالية التابعة لها، في وجه التهديدات الناجمة من أنظمة اجتماعية واقتصادية أخرى كالشيوعية والاشتراكية، صرفت الكثير على انتشار اقتصاديات رأسمالية في بلدان أخرى في أوروبا الغربية، وفي شرق وجنوب شرقي آسيا، وعلى الأخص في بلاد عدوّيها السابقين: ألمانيا واليابان، بالإضافة إلى مشروع مارشال في أوروبا الغربية.
هذا وقد صرفت أمريكا مساعداتها الخارجية أيضاً في مناطق أخرى من العالم النامي تعزيزاً للمؤسسات الرأسمالية حيثما أمكنها ذلك بل فوق ما يتصور.
ولكن رغم كل ذلك، فإن الرأسمالية بمعناها الموجود حيث إنها كالشيوعية والاشتراكية مخالفة للفطرة والعقلانية، فإن مصيرها سيكون نفس مصير الشيوعية والاشتراكية من السقوط والزوال، ولا يبقى على وجه الأرض إلاّ العولمة الصحيحة التي دعا إليها الإسلام.

الاثنين، 13 أبريل 2009


المرأة العربية والإعلام في زمن العولمة
الإثنين, 10-يناير-2005
بقلم : فوزية بامرحول * - المرأة العربية والإعلام في زمن العولمةزمن العولمة أو ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، زمن الثورة العلمية والتكنولوجية المعلوماتية وهو الزمن الذي جاء نتاجا لتفاعلات طبيعية إن لم نقل، صراعات، للحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية لدول الغرب، وهي الحقبة الجديدة التي يعيشها العالم بعد سقوط النظام الشيوعي وتقهقر النظام الاشتراكي، وبما أن البقاء للأقوى دوما فإن دول الغرب التي طالما سعت في حقبة زمنية سابقة لسيطرة نفوذها الاستعماري، في شتى بقاع الأرض هي نفسها من يسعى الآن لفرض استعمار جديد سلاحها الأقوى فيه هو الغزو الفكري.ويساعدها في نشر ذلك وبجهد وزمن قياسيين تقنيات التكنولوجيا الحديثة من أجهزة اتصال ومعلومات وحيث الترويج لما يسمى بالتحرر الاقتصادي والانفتاح على العالم والانضمام إلى منظمة التجارة الدولية والبنك الدولي وتنفيذ بنود اتفاقية الجات حتى من قبل، الدول التي ، لم توقع عليها أصلا.كما لعبت الشركات المتعددة الجنسيات دورا كبيرا في ذلك من خلال الاستثمار في العديد من الدول النامية ودول التكتل الشيوعي السابقة وبعض الدول العربية وساهمت في عملية تشغيل العمالة المحلية لتلك البلدان بالإضافة إلى منتسبيها الذين يعتمدون في تسهيل أعمالهم على وسائل، الاتصال والمعلومات الحديثة ومتشبعون بالفكر الغربي الذي يروج للعولمة، ويتغنى بمزاياها ونحن في الدول العربية - من وجهة نظري، الشخصية- يتطلب منا ما يلي:أ- الأخذ بعين الاعتبار أن العولمة عملية واقعة ونحن نعيش زمنها، وإن نفي ذلك يعتبر هروبا من الواقع.ب- عدم التظاهر بأننا لا نعير العولمة أية اهتمام وأننا في الدول العربية بعيدين عن رياح التغيير ج- عدم الانصياع أيضا لما تروج له بعض المؤسسات الدولية الغربية بان العولمة تحمل في طياتها كافة الحلول لمشاكل العالم السياسية والاقتصادية.د- تكييف، بنود العولمة وشروطها بما يتناسب وطبيعة بيئتنا العربية لما لها من خصوصية تختلف، عن الغرب، اختلافا جذريا بفعل العادات والتقاليد والدين.وفي ظل ذلك نأتي إلى واقع المرأة العربية ودور الإعلام العربي تجاه قضاياها في زمن العولمة حيث كلنا يدرك ما لحق وما سيلحق المرأة العربية من أضرار من جراء العولمة وتوجه معظم الدول العربية نحو رسم سياسات للإصلاح الاقتصادي والانخراط فيما يسمى بالنظام العالمي الجديد، والعمل بموجب اتفاقيات البنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وتسارع وتهافت بلداننا العربية للحاق بركب التقدم العلمي والتكنولوجي، كما توجهت بعض الدول نحو برامج الخصخصة والتي بفعلها بدأت تضيق، فرص العمل كما ظهرت، اختلالات في هياكل العرض لسوق العمل والطلب للقوى العاملة وهذه الاختلالات تفرض بطبيعتها ضغوطا اجتماعية واقتصادية وسياسية تنعكس على المجتمع بشكل عام وعلى النساء بشكل خاص. ونقولها صراحة هنا أن حور الإعلام تجاه المرأة وقضاياها كان سلبيا نوعا ما ..علما إن هناك عدة محاور يمكن للإعلام الخوض فيها وإظهار الصورة الحقيقة لمساهمة المرأة العربية من خلال إبراز مشاركتها في شتى الجوانب وخاصة الحياة الاقتصادية والتي تعتبر مشاركة المرأة العربية فيها إنجازا كبيراً لتحسين ظرفها المعيشية خاصة ولزيادة مساهمتها في عملية التنمية عامة.كما كان للإعلام العربي، موادا غنية تجاهلها ولم يعمد إلى بثها، أو عمل الدعاية الإعلامية لها وهي الكثير من المؤتمرات والندوات التي تعنى بشئون المرأة وتقوم بعقدها وتمويلها الكثير من المنظمات الدولية والعربية الحكومية منها وغير الحكومية وكذا الاتحادات، العمالية والمهنية والنسائية التي لعبت دورا هاما في تحسين دور المرأة وأداءها وتمكينها من المشاركة والمساهمة الاقتصادية، والدفع بها نحو مواقع صنع القرار.نحن لا نريد من الإعلام العربي أن يلعب دورا في تفعيل أداء المرأة لان هذا ما تقوم به فعلا ولكن عليه أن يلعب دورا واقعيا في نقل، الصورة الحقيقة المساهمة المرأة في التنمية الاقتصادية وفي مناحي الحياة الأخرى على الصعيد السياسي والثقافي والاجتماعي، حيث أن الغزو الإعلامي الغربي ساهم كثيرا في إبهات صورتها، ولكن ما يؤسف له هو اتخاذ معظم قنواتنا وفضائياتنا العربية من تلك الصورة الباهتة ومناظر شبه التعري والتمايل والإيحاءات التي تخاطب الغرائز موادا دسمة وغنية لبثها، وبالتالي نقول مسكينة هي، المرأة العربية فكم من الجبهات التي يتحتم عليها الدفاع والنضال فيها! أهي جبهة الخوض وبكل قوة في المشاركة الاقتصادية واثبات الذات، والوصول إلى مواقع القرار أم النضال لأجل أخذ حقها في المشاركة السياسية وأن كان بفعل "الكوتا" وليس بفعل قناعة النوع الآخر، أم النضال في جبهة الإعلام التي تطالعنا يوميا بأشكال وألوان من النساء اللاتي نود القول لهن بل الصراخ في آذانهن أننا نحن بنات حواء بريئات منكن إلى يوم الدين لان جمال المرأة برجاحة عقلها وباحتشامها وحيائها وليس بتعريها و إبراز واستعراض مفاتنها!؟فهل يعي الإعلام العربي، والقائمون عليه دورهم الحقيقي تجاه المرأة العربية وقضاياها؟؟وهل سيهبون من سباتهم للتحرر من الغزو الفكري الغربي الذي استعمر واستوطن عقول الكثيرين ويعودون إلى صوابهم؟وليتذكر العاملون في الحقل الإعلامي أنهم يحملون رسالة سيسألون عنها يوم القيامة!! فما سيكون ردهم يوم لا ينفع الإنسان إلا ما قدمت يداه.* فوزية بامرحول :عضو دائرة المرأة العاملة والطفل بالاتحاد العام لنقابات عمال اليمن ، رئيس دائرة المرأة بالجنة والنقابية لشركة النفط اليمنية ، الإدارة العامة صنعاء.
العولمة و الأشاوس
رؤيةالثلاثاء 2/9/2008غسان شمةوجد البعض ضالتهم في العولمة, فهي العدو الجديد , وهي مبعث الشرور و أم الرذائل التي تحض كتابنا و مبدعينا على الانفلاش و الكتابة من فوق الفراش ,
وجعل الجنس أول و أخر اهتماماتهم, غارقين في لجته العميقة, مبتعدين عن القضايا الكبيرة و الصغيرة التي قد تتعارض مع العولمة!‏
و الأمر نفسه قد ينطبق على ميادين أخرى مثل الموسيقا و الثياب و الحوار والديمقراطية ... و حتى المطالبة بالبطاطا اذا ما انقطعت عن الجمهور والسوق لأي سبب كان?!‏
و قد لا يتورع أحدهم عن القول: ان المسلسلات التركية نتاج للعولمة جعل نساءنا يذرفن الدمع على البطولات الحالمة و المواقف التي تقطع نياط القلب .. و ان المسلسلات المكسيكية كانت المقدمة التي مرت لرأس العولمة الضارب في كل مكان !‏
اذاً فلنشد الاحزمة و لنبدأ الحرب ضد العولمة فنمنع الكتاب من الحديث عن الجنس و السياسة و الدين, و نمنع كل ألوان التحديث باسم الاصالة والعراقة و التراث و الحفاظ على الشخصية الثقافية و الفكرية للامة....!‏
و من المهم أيضاً منع نسائنا من الخروج الى العمل أو الشارع خشية تعرضهن لأي موقف من مواقف العولمة , قبح الله وجهها, و لنقفل اجهزة التلفاز, و لنضع الحواجز الصادة لمختلف الموجات الاذاعية...و لنجلس متربعين, متكتفين, داعين الله بالنجاح و التوفيق لسدنة الرأي هؤلاء...!‏
هل يظنن أحد ما أن العولمة ستمر من هنا أو هناك و كل هؤلاء الاشاوس يتربصون بها في كل مكان ?!‏

الجمعة، 10 أبريل 2009


مفهوم العولمة
انتشر استخدام مصطلح العولمة في كتابات سياسية واقتصادية عديدة (بعيدة عن الإنتاج الفكري العلمي الأكاديمي في البداية) في العقد الأخير، وذلك قبل أن يكتسب المصطلح دلالات استراتيجية وثقافية مهمة من خلال تطورات واقعية عديدة في العالم منذ أوائل التسعينات.يُستخدم مفهوم العولمة لوصف كل العمليات التي بها تكتسب العلاقات الاجتماعية نوعًا من عدم الفصل (سقوط الحدود) وتلاشي المسافة؛ حيث تجري الحياة في العالم كمكان واحد -قرية واحدة صغيرة- ومن ثم فالعلاقات الاجتماعية التي لا تحصى عددًا أصبحت أكثر اتصالاً وأكثر تنظيمًا على أساس تزايد سرعة ومعدل تفاعل البشر وتأثرهم ببعضهم البعض. وفي الواقع يعبر مصطلح العولمة عن تطورين هامين هما: التحديث Modernity، والاعتماد المتبادلInter-dependence ، ويرتكز مفهوم العولمة على التقدم الهائل في التكنولوجيا والمعلوماتية، بالإضافة إلى الروابط المتزايدة على كافة الأصعدة على الساحة الدولية المعاصرة. وبناء على ذلك، فالمفهوم يحتوي على مساحة من التناقض بين وجهة النظر الليبرالية الداعية للاحتفال بالاعتماد المتبادل بين الدول، مقابل وجهة النظر الراديكالية التي لا ترى في ذلك إلا مزيدًا من السيطرة العالمية للرأسمالية والنظام الاقتصادي المرتكز على حرية السوق.وتاريخيًا، فإن مفهوم العولمة لا يتجزأ عن التطور العام للنظام الرأسمالي، حيث تعد العولمة حلقة من حلقات تطوره التي بدأت مع ظهور الدولة القومية في القرن الثامن عشر، وهيمنة القوى الأوروبية على أنحاء كثيرة من العالم مع المد الاستعماري. بين رأس المال والتكنولوجيا والثقافة: ومؤخرًا، ساهمت ثلاثة عوامل في الاهتمام بمفهوم العولمة في الفكر والنظرية، وفي الخطاب السياسي الدولي:
1 - عولمة رأس المال أي تزايد الترابط والاتصال بين الأسواق المختلفة حتى وصلت إلى حالة أقرب إلى السوق العالمي الكبير، خاصة مع نمو البورصات العالمية.2- التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال والانتقال والذي قلل -إلى حد كبير- من أثر المسافة، وانتشار أدوات جديدة للتواصل بين أعداد أكبر من الناس كما في شبكة الإنترنت.
3 - عولمة الثقافة وتزايد الصلات غير الحكومية والتنسيق بين المصالح المختلفة للأفراد والجماعات، فيما يسمى الشبكات الدولية Networking حيث برز التعاون استنادًا للمصالح المشتركة بين الجماعات عبر القومية، مما أفرز تحالفات بين القوى الاجتماعية على المستوى الدولي، خاصة في المجالات النافعة مثل: الحفاظ على البيئة، أو في المجالات غير القانونية كتنظيف الأموال والمافيا الدولية للسلاح.وفي الواقع، فإنه على الرغم من ترحيب دعاة العولمة بزوال الحدود القومية ودعوتهم لإنهاء الدولة القومية، والحد من الإغراق في الخصوصية الثقافية والمحلية، لكن الواقع الحالي يثبت وجود قوتين متعارضتين: التوحد والتجزؤ. التوحد والتجزؤ: فبينما يتجه الاقتصاد لمزيد من الوحدة على الصعيد الدولي، تخطو السياسة نحو المزيد من التفتت مع نمو الوعي العرقي والنزاعات الإثنية، في حين تتراوح الثقافة بين انتشار الثقافات الغربية في الحياة اليومية وبين إحياء الثقافات والتراث في أنحاء المعمورة.وعلى الرغم من عولمة رأس المال فإن الهوية تتجه نحو المحلية. على سبيل المثال: فإن اختفاء الحدود بين شطري ألمانيا ونشأة كيانات موحدة والسير نحو الوحدة الأوروبية الغربية واكبه تفتت يوجوسلافيا وإحياء الروح الانفصالية في أفريقيا وآسيا.وعلى صعيد عمليات الاتصال بين أرجاء المعمورة، فإن تكنولوجيا الاتصال قد قللت إلى حد كبير من تأثير المسافات بين الدول، وازدياد التفاعل بين الأشخاص والثقافات - بعبارة أخرى: حوار الحضارات، مما قاد إلى تكوين ثقافة عالمية جديدة يستغربها الذين اعتادوا على ثنائية "الذات والآخر"، فهناك دعوة للاندماج تبرز في مدارس الفن والفلسفة، وحوارات على كافة الأصعدة الحضارية والدينية. ويركز المتوجسون من العولمة على الروح الاستهلاكية العالية التي تواكب هذه المرحلة، والتي تتضح فيما يُسمى ثورة التطلعات، وانتشار النمط الاستهلاكي الترفي بين الأغنياء، أو الحلم به وتمنيه بين الفقراء.وتنطوي العولمة على درجة عالية من العلمنة -أي تغليب المادية والحياة العاجلة على أية قيم مطلقة، واختزال الإنسان في بعده المادي الاستهلاكي، وأحيانًا الشهواني، فعلى سبيل المثال: تتعامل ثقافة الإعلام في ظل العولمة مع المرأة طبقًا لرؤية نفعية، يكون فيها جسد المرأة أداة لتعظيم المنفعة المادية، فمن ناحية تعتبر المرأة سلعة يمكن تسويقها - من خلال العروض التلفزيونية والإعلانات - عالميًا، ومن ناحية أخرى تعتبر هدفًا لتسويق سلع استهلاكية كمستحضرات التجميل والأزياء - وتتجلى هذه الرؤية في أشكال شتى منها مسابقات ملكات الجمال.وعلى الرغم من انتشار مفهوم العولمة، فإن العالم يفتقر إلى وجود وعي عالمي أي إدراك الأفراد لهويتهم الكونية أكثر من الهويات المحلية. فواقعيًا، لا زالت الهويات المحلية تتصارع مع تلك الهوية العالمية التي تهيمن عليها القوى الكبرى اقتصاديًّا ونموذجًا حياتيًّا (الأمركة)، فعلى سبيل المثال بينما تتحد الدول في وحدات إقليمية كبيرة فإن التواصل بينها مفتقد، وبينما تتسارع العولمة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية سعيًا وراء تقليل فوارق المسافة، تخلق السياسة العديد من الفجوات بين الدول. وتعبر هذه السلوكيات عن جدلية إدراك الإنسان لدوره ككائن اجتماعي من ناحية، وكفرد يتصارع عالميًا سعيًا وراء مكانة خاصة.ويرى بعض الباحثين أن الإشكالية في العلاقة بين العالمي والمحلي تتفاقم حين تحاول القوى العالمية الكبرى مثل: الولايات المتحدة أن تُعطي الطابع العالمي لما هو محلي لديها من أجل تحقيق مصالحها الخاصة. ويرجع انتشار هذا النموذج الأمريكي إلى امتلاك الولايات المتحدة لمنافذ إعلامية عديدة وعالمية.ويطلق الباحثون على تلك العملية، "عولمة المصالح المحلية"، ومن المهم إدراك أن مفهوم "العولمة" يرتكز على عملية ثنائية الأبعاد: كونية الارتباط - ومحلية التركيز، وهذا التضاد هو طبيعة كل واقع جديد، لذلك يصح أن نطلق عليها لفظ "العولمة المحلية" Globalization and localization . الإسلام والعولمة: ويلاحظ أن الإسلام وإن كانت دعوته عالمية الهدف والغاية والوسيلة، ويرتكز الخطاب القرآني على توجيه رسالة عالمية للناس جميعًا، ووصف الخالق - عز وجل- نفسه بأنه "رب العالمين" ، وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مقترنًا بالناس والبشر جميعًا. فإن حضارة الإسلام قامت على القاسم المشترك بين حضارات العالم، فقبلت الآخر وتفاعلت معه أخذًا وعطاءً، بل إن حضارة الإسلام تعاملت مع الاختلاف بين البشر باعتباره من حقائق الكون. لذلك دعا الخطاب القرآني إلى اعتبار فوارق الجنس والدين واللغة من عوامل التعارف بين البشر. اتساقًا مع نفس المبادئ، يوحد الإسلام بين البشر جميعًا رجالاً ونساءً، في جزئيات محددة: أصل الخلق والنشأة، والكرامة الإنسانية والحقوق الإنسانية العامة، ووحدة الألوهية، وحرية الاختيار وعدم الإكراه، ووحدة القيم والمثل الإنسانية العليا.وتبدو الاختلافات جلية بين عالمية الإسلام ومفهوم "العولمة" المعاصر، فبينما تقوم الأولى على رد العالمية لعالمية الجنس البشري والقيم المطلقة، وتحترم خصوصيته وتفرد الشعوب والثقافات المحلية، ترتكز الثانية: على عملية "نفي" و "استبعاد" لثقافات الأمم والشعوب ومحاولة فرض ثقافة واحدة لدول تمتلك القوة المادية وتهدف عبر العولمة لتحقيق مكاسب السوق لا منافع البشر.ورغم هذه السيطرة الغربية على العولمة ومسارها إلا أن القوى المختلفة الداعية إلى حق الاختلاف والخصوصية الدينية والثقافية يمكنها توظيف أدوات العولمة ذاتها لمواجهتها، ففي قمة "سياتل" التي انعقدت في الولايات المتحدة الأمريكية ديسمبر 1999 نظم ونسق المعارضون لاتفاقية الجات جهودهم عبر شبكة الإنترنت، مما يدل على أن الإنسان يستطيع توظيف كل جديد في الدفاع عن هويته وذاته... وإنسانيته

العولمة والنمو والفقر.. بناء اقتصاد عالمي شامل

عرض/ إبراهيم غرايبةيبحث الكتاب، وهو مجموعة من الدراسات، في تأثير التكامل الاقتصادي على الدول النامية، وبخاصة الشعوب الفقيرة التي تعيش في تلك الدول، ويعيش خمس سكان العالم على أقل من دولار واحد يوميا، وهو أمر غير مقبول في عالم ينعم بقدر هائل من الوفرة. ويناقش أساسا مقولة كيف يمكن للاقتصاد العالمي أن يدعم خفض الفقر إن كان ذلك ممكنا.
غلاف الكتاب-اسم الكتاب: العولمة والنمو والفقر: بناء اقتصاد عالمي شاملتقرير البنك الدولي عن بحوث السياسات-ترجمة: هشام عبد الله-عدد الصفحات: 217 -الطبعة: الأولى 2003-الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت
مؤشرات اقتصادية للعولمةيكشف التقرير عن ثلاثة مؤشرات اقتصادية للعولمة:
1- هناك مجموعة من الدول الفقيرة يبلغ عدد سكانها حوالي ألفي مليون نسمة اقتحمت السوق العالمي للصناعات التحويلية والخدمات، بعدما كانت صادراتها قبل 20 سنة تقتصر على السلع الأساسية. ومن أوضح الأمثلة على هذه الدول الهند والصين وفيتنام وبنغلاديش، ونقص عدد الفقراء في عقد التسعينات بمقدار 120 مليون شخص.
2- ثمة مجموعة أخرى من الدول الفقيرة التي يزيد عدد سكانها على ألفي مليون نسمة تحوز مكانة ضئيلة هامشية في الاقتصاد العالمي، وكانت نسبة مساهمتها في الاقتصاد في أواخر التسعينات أقل مما كان عليه الحال قبل 20 عاما، ومن هذه الدول أفغانستان والكونغو الديمقراطية.
3 – كشفت استطلاعات الرأي في مختلف البلدان عن قلق من الاندماج الاقتصادي والهيمنة الثقافية، برغم أن دولا كثيرة تشارك في الاقتصاد العالمي مع احتفاظها بخصوصيتها الثقافية مثل اليابان وماليزيا والصين والمكسيك والهند.
ويخلص التقرير إلى أن الاقتصاد العالمي دعم خفض الفقر، ولكن يمكن أن يكون أكثر تكاملا ونجاحا واهتماما بالدول الفقيرة والهامشية، وفي وسع الدول الغنية أن تفعل الكثير لمساعدة الدول المهمشة.
”رافق العولمة الاقتصادية موجات هجرة من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية التي تميل إلى تفضيل العمال المتعلمين مما يؤدي إلى استنزاف العقول من الدول النامية”موجات العولمة حدثت الموجة الأولى للعولمة خلال الفترة 1870-1914 حين فتح التقدم في مجال النقل الطريق أمام بعض الدول لاستخدام وفرة أراضيها لزيادة الإنتاج ومضاعفة الصادرات، وازدادت نسبة رؤوس الأموال الأجنبية بمقدار يزيد على ثلاثة أضعاف الدخل في دول أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وهاجر حوالي 60 مليون إنسان من أوروبا إلى أميركا الشمالية والعالم الجديد، وتدفق العمال من الدول الأكثر كثافة مثل الصين والهند إلى الدول الأقل كثافة مثل سريلانكا وفيتنام والفلبين وتايلند، وبلغ الحجم الكلي لهجرة العمال حوالي 10% من مجموع سكان العالم.
وكانت الموجة الثانية للعولمة بين عامي 1950 و1980 وهي موجة ركزت على التكامل بين الدول الغنية من خلال سلسلة عمليات تحرير التجارة متعددة الأطراف برعاية الاتفاقية العامة للتعرفات الجمركية والتجارة (الغات)، واقتصرت صادرات الدول النامية في هذه الفترة على السلع الأساسية.
وبدأت الموجة الثالثة منذ عام 1980 وارتبطت بتقدم تقنيات المعلوماتية والاتصال، وضاعفت في أثنائها مجموعة من الدول يبلغ عدد سكانها ثلاثة آلاف ملايين نسمة نسبة تجارتها ودخلها، وتوقف العدد الإجمالي للفقراء عن التزايد وهبط في الواقع بمقدار 200 مليون شخص، وتوقف أيضا عدم المساواة عن الارتفاع، واتسعت المشاركة في التصنيع العالمي، وارتفعت معدلات العمر والالتحاق بالمدارس.
البنية الدولية للتكامل الاقتصاديخفضت الكثير من الدول النامية من قيودها على المستوردات، وخفضت الرسوم الجمركية تخفيضا كبيرا، وقد ارتفعت الصادرات من المنتجات الصناعية للدول النامية من 25% عام 1980 إلى 80% عام 1998.
وما زالت الدول الغنية تفرض سياسات حمائية برغم انخفاض التعرفة الجمركية فيها، وهذه السياسات الحمائية مفروضة على سلع ومنتجات تتمتع الدول النامية بميزة نسبية بها، وتؤدي هذه السياسات إلى تكلفة على الدول النامية تقدر بمائة مليار دولار، وهو ضعف مجموع المساعدات التي تقدمها دول الشمال إلى دول الجنوب.
وخفضت الدول النامية القيود على الاستثمارات الأجنبية، وبرغم الفوائد الظاهرة للانفتاح الاقتصادي فإنه يؤدي إلى أضرار كبيرة، فقد حدثت كوارث اقتصادية في إندونيسيا وتايلند وكوريا والأرجنتين.
ورافق العولمة الاقتصادية موجات هجرة من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية، ومن الأرياف إلى المدن في داخل الدول، ولكن نسبة تدفق الأيدي العاملة المهاجرة هي أقل بكثير من الموجة الأولى للعولمة، ولا يزيد العدد الإجمالي للمهاجرين الذين يعيشون في دول ليسوا مواطنين فيها عن 2% من مجموع سكان العالم، وفي الوقت نفسه فإن الدول الغنية تواجه نسبة كبار السن في قواها العاملة مقابل نسبة الفتوة في الدول النامية، كما أن الزيادة السكانية في الدول النامية هي أكبر بكثير منها في الدول الغنية.
وتفرض الدول الغنية إجراءات مشددة على الهجرة، وهي تميل إلى تفضيل العمال المتعلمين، مما يؤدي إلى استنزاف العقول من الدول النامية، وقد يساهم تدفق الأيدي العاملة بقدر أكبر في خفض الفقر لو كانت سياسات الهجرة أكثر حيادية، وتسمح للعمال غير المهرة بالهجرة.
”بدون سياسات ترعى التقاليد المحلية فإن العولمة تقود فعلا إلى هيمنة الثقافة الأميركية، كما أن العولمة قد تضعف الحكم وتجعل بعض أدوات السياسة غير فعالة”التكامل الاقتصادي والسياسات العامة للدوليتأثر التكامل الاقتصادي بمجموعة من المؤسسات والسياسات المختلفة، فهو ليس نتيجة سياسة تجارية، وقد اتبعت دول مثل الصين والهند والمكسيك طرقا مختلفة في تحقيق التكامل لمواجهة القضايا المشتركة التي يتوجب مواجهتها، وتوفير تراتيب مؤسساتية وسياسات مختلفة، والقضيتان المهمتان اللتان لا بد من مواجهتهما هما المناخ الاستثماري والحماية الاجتماعية للعمال.
وتواجه بعض المؤسسات التجارية في الدول المنفتحة اقتصاديا منافسة أكبر، ولهذه المنافسة الكثير من الآثار الجيدة مثل خفض الأسعار والتكلفة وزيادة الجودة.
وتواجه الشركات في الدول النامية معوقات تمنعها من التنافس مع الشركات الأخرى مثل القواعد التنظيمية غير الفعالة والفساد وضعف البنية التحتية وضعف الخدمات المالية.
ومن أكثر الخاسرين بسبب العولمة هم العمال الذين يشتغلون في الصناعات المحمية، وكبار السن نسبيا الذين يواجهون صعوبات في التكيف مع التغيرات الاقتصادية.
وتحتاج المجتمعات والدول المتعولمة إلى أنظمة رعاية اجتماعية وضمان اجتماعي وتعليم لزيادة قدرة الفقراء وفئات المجتمع المختلفة على مواجهة المتطلبات الجديدة للأسواق وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
السلطة والثقافة والبيئةأظهر استطلاع للرأي شمل 20 ألف شخص في 20 دولة قلقا متزايدا بين الناس من تأثير العولمة على الثقافة وحقوق الإنسان والبيئة والعدالة الاجتماعية.
وبدون سياسات ترعى التقاليد المحلية فإن العولمة تقود فعلا إلى هيمنة الثقافة الأميركية، كما أن العولمة قد تضعف الحكم، وتجعل بعض أدوات السياسة غير فعالة.
وثمة ادعاءات في بعض الدول النامية بأن بعض الشركات الأجنبية تلجأ إلى الضغط خلف الكواليس والرشوة للحصول على امتيازات معينة في مجال الاتصال والتعدين على سبيل المثال.
وتتسبب سبع دول صناعية في إطلاق أكثر من 70% من غاز ثاني أكسيد الكربون في العالم، والولايات المتحدة التي تشكل أقل من 4% من سكان العالم تطلق أكثر من 25% من الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، وهذا يحتاج إلى جهد عالمي لخفض إطلاق الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وكان بروتوكول كيوتو الذي رفضت الولايات المتحدة أن توقع عليه التزاما دوليا عالميا لمعالجة سخونة الأرض.
”هناك قلق عالمي من تزايد عدم المساواة وسخونة الأرض وضعف الحكومات والسيادة الوطنية وغياب سلطة منظمة سياسية مناسبة لمعالجة مشكلات قوى السوق العالمي”ما العمل؟تبدي الدول الفقيرة غير القادرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي، والتي يعيش فيها حوالي ألفي مليون نسمة، قلقها من التهميش الاقتصادي ومن قدرتها على السيطرة على أراضيها.
فالفقر والاعتماد على تصدير المواد الأولية والتراجع الاقتصادي يغذي الصراعات المسلحة الداخلية، وغالبا ما تفتقر هذه الدول إلى الخدمات العامة، مما ينذر بتدهور الوضع الاجتماعي كما حدث في بعض الدول الأفريقية.
والدول النامية التي نجحت في اختراق الأسواق الصناعية تواجه أيضا تهديدا اجتماعيا وبيئيا يعرض الحكومات والمجتمعات المدنية فيها إلى مواجهة تحديات جديدة، كما أن حداثة نموها الاقتصادي ومشاركتها في الاقتصاد العالمي تجعلها قلقة من إغلاق الأسواق في وجهها، والخضوع لنزوات مستثمرين بعيدين، والقدرة على الدخول في المنافسة العالمية في أسواقها المحلية وفي الخارج أيضا.
والدول الغنية أيضا يقلقها من العولمة الإرهاب، والفروق الكبيرة المتنامية بين مواطنيها، وخسارة وظائف تصنيعية للدول متدنية الأجور.
وهناك قلق عالمي من تزايد عدم المساواة، وسخونة الأرض، وضعف الحكومات والسيادة الوطنية، وغياب سلطة منظمة سياسية مناسبة لمعالجة مشكلات قوى السوق العالمي.
والعمل برأي معدي التقرير هو أن يترك للدول حرية اتباع النهج المؤسساتي الذي تريد إجراءه في مجال المعايير البيئية، والرعاية الاجتماعية، والحفاظ على الثقافة، وتطوير مناخ استثماري يصاحب الانفتاح الاقتصادي يجعله مفيدا وعادلا، مثل مكافحة الفساد، والتشريعات والسياسات المشجعة على الاستثمار والتنافس والتي تمنع الاحتكار، والاستثمار في التعليم، وبناء مؤسسات ومرافق للصحة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية.
ويجب على الدول الغنية زيادة مساعداتها للدول الفقيرة، وإدارة هذه المساعدات على نحو أفضل لتتمكن هذه الدول والمجتمعات من إجراء التغييرات المطلوبة للتكيف مع الاقتصاد العالمي ومواجهة التداعيات المرافقة لها، مثل فقد كثير من الوظائف، وزيادة تكاليف السلع والخدمات الأساسية، وتخفيف المعاناة الموجودة في بعض الدول بسبب الأمراض والأوبئة كالملاريا والإيدز، وتوفير الأدوية والمبتكرات الصحية لمن يمكن أن يستفيدوا منها.
وسيكون تخفيف عبء الدين نوعا من المساعدة، فالكثير من الدول الأفريقية على سبيل المثال ترزح تحت أعباء من الديون لا يمكنها احتمالها، وسيؤدي تخفيف أعباء الدين عن هذه الدول إلى زيادة قدرتها على خفض الفقر والمساهمة في الاقتصاد العالمي مع ضرورة دفع هذه الدول إلى تطبيق سياسات إصلاحية في الحكم والإدارة والتشريع والقضاء لتحسين المناخ الاستثماري والخدمات الاجتماعية فيها.
وقد يؤدي الانخفاض الكبير الذي حدث في تكاليف الاتصالات والمعلومات والنقل لجعل العولمة ذات مزايا وفرص للناس للتعاون ومواجهة مشكلاتهم وزيادة الوعي والرقابة العالمية على أنشطة وأداء الحكومات والشركات الكبرى وحماية البيئة والحقوق الأساسية وتحقيق العدالة والمساواة ورفع الظلم والاعتداء عن المستضعفين.
وقد أظهرت تقارير منظمة الأغذية والزراعة الدولية أن العولمة والتحرر الاقتصادي تزيد من التصحر والتلوث، وبخاصة من الأنشطة القائمة على قطع الأشجار كما يحدث على نطاق واسع في المناطق الاستوائية، والاعتداء على الأراضي الزراعية، ويمكن باتباع سياسات عادلة أن تضبط عمليات تصنيع وتجارة الأخشاب دون الإضرار باقتصاد البلدان القائمة عليها.
ثقافة العولمة لمواجهة عولمة الثقافة...
١ آذار (مارس) ٢٠٠٤بقلم نضال نجار
تُعتَبر تكنولوجيا المعلومات والاتصال من أهم قوى الدفع للعولمة الثقافية،فقد تقلَّصَ الزمان والمكان في تبادل المعلومات والعلاقات والمفاهيم والآراء والنظريات .. إلخ ما أدى إلى انصراف الناس عن الكتاب وبالتالي تضخم سوقه ما يعني اتساع الفجوة بين المواطن والثقافة المحلية من فنون وآداب ومعارض ومهرجانات .. ولاعجب بأن تُغلَقَ المراكز الثقافية فعلياً بعدما اختارتْ أن تعزلَ كيانها عن المجتمع المدني وحاجياته وتطوراته..
هذه المراكز(الثقافية) ولأنها لم تؤدي واجبها ومهامها بالالتزام بالثقافة كضرورةٍ وحاجةٍ لنمو المجتمع فقد أثبتتْ فشلها بل عجزها أمام تحديات العولمة الثقافية... وهذه المباني تحوَّلتْ إلى (مقاهٍ) لتبادل الأحاديث العامة وفي مقدمتها السياسية وارتشاف فناجين القهوة واستشراف الغيب بنفث دخان التبغ في الأجواء...
هكذا هو الحال الواقع ، ما أدى إلى صِدامٍ هائلٍ بين المثقف الحقيقي الذي يحملُ رسالة التنوير ونشر الوعي وبين دعاة الثقافة الذين يحملون همومهم الشخصية كحاجتهم إلى المال من أجل وقود الشتاء، ومؤونة الغذاء ، وذخيرةٍ لمعالجة البلاء.. وهلمَّ جراً... لكأن المراكز الثقافية قد أُوجِدَتْ لمناقشة تلك الخصوصيات بدل قضايا الثقافة التي انتحبتْ منذ أن تسنَّمَ عروش المناصب الثقافية رجالٌ لايربطهم بالثقافة أي رابط سوى مصلحتهم الشخصية..
لهذا ظهرت فئةٌ من الأوفياء لهؤلاء الرجال ( رعاة بل دعاة الثقافة) فراحت تتبادلُ وإياهم المصلحة أو المنفعة المشتركة، ما يعني إبعاد كل ما يُعكِّر صفوهم من الفئات الشابة التي عاهدت نفسها على الجهاد من أجل وفي سبيل الثقافة لضرورتها .. وتستمر الكوميديا الثقافية ، فيُوافق هؤلاء الدعاة على نشر أعمال أوفيائهم من خزينة الدولة ما يعني اختلاسٌ واضحٌ وصريح يتبنَّاه الطرفان الداعية الثقافي ومريده الوفي...
تلك الأعمال نراها على رفوف المكتبات وفي الشوارع ، ليس لأن الناس ابتعدوا عن القراءة بل لأنها هي العلة بمعنى أنها لا تحملُ مضموناً أو فكرةً ترقى إلى المستوى الفكري والثقافي الذي لدى الناشئة.. وهذا برأيي إرهابٌ ثقافيٌّ يُمارَسُ علناً من قبل تلك الجهات فهي تفرضُ ثقافةً قديمةً بالَ الدهر عليها بعد أن شربَ الزمان ، فالعالمُ في تطورٍ دائمٍ ومستمر بينما هذه الأعمال تعبر عن صورة أهل الكهف أولئكَ الذين يسمعون ويستمعون إلى الفكر المنفتِح لكنهم لا يفقهون شيئاً ، يتحدثون ويُحدِّثون أصحاب الفكر المنفتِح فيعجزون عن إيصال أفكارهم وآرائهم، يشاهدون الفجوة والواقع المرير لكنهم لا يرون الحقيقة كالفروق الشاسعة والواسعة بين فكرهم القديم الذي لا يتلائم والعصر الراهن والفكر الحديث الذي يُطالب بالثقافة والانفتاح على ثقافات الآخر وحضاراته..
ومن الطبيعي أن العاجز عن رؤية الحقيقة ـ العلَّة أو الاعتراف بها قطعاً عاجزٌ عن تشخيص الحالة وتقديم العلاج الناجع لها وهو ضرورة الانفتاح الثقافي بالمعنى الواسع للعبارة.. فالثقافة ينبغي أن تسود في كل مجالات الحياة ، في السياسة والاقتصاد والعلاقات العامة ووو...
إن اندماج بلدٍ ما( وخاصةً ذاك الذي يشكو من خمولٍ بل جمودٍ بل شللٍ ثقافي) في الثقافة العالمية يشكِّلُ نوعيةً وتوعيةً ثقافيةً ( وخلقناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا) .. هذا الاندماج يعلِّم كيفية الارتقاء بآليات التأقلم الايجابي مع خطر العولمة وبالتالي كيفية الاسراع لردم الهوة من خلال التنافس الفكري سواء على الصعيد الفردي أو المجتمعاتي ككل..
ما يؤدي إلى تحقيق مكاسبَ عديدةٍ له أولها تعزيز ودعم وحماية خصوصيته الثقافية، ما يعني صموده أو بالأحرى تقدمه وتطوره لأن التطور يعني مقاومة الخطر أولاً وأخيراً..
نهايةً ليس بمقدور أي انسانٍ أن ينأى عن تأثير العولمة وإلاَّ بقيَ في عزلةٍ أبديةٍ من التهميش والتبعية ليس محلياً فقط بل عالمياً.. وعليه، فإ أي بلد عربي عليه إما التأقلم ( الايجابي) مع العولمة أو التعرض( السلبي) لتهديداتها ..
ثقافة العولمة ضرورةٌ لمواجهة عولمة الثقافة...